رأي

سعيد التمسماني: الرؤية الملكية ومرحلة ما بعد بناء الحقوق.. نحو دولة تقاس بكرامة الإنسان

ليست قيمة الخطابات الكبرى فيما تقوله فقط، بل فيما تؤسس له من تحولات استراتيجية. ومن هذه الزاوية، لا يمكن قراءة خطاب لملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش باعتباره خطاباً سنوياً لتقييم المنجزات أو إعلان الأولويات، بل باعتباره مؤشراً على انتقال نوعي في فلسفة الدولة المغربية، وخاصة في مقاربتها لحقوق الإنسان.

قد يلاحظ المتابع أن الخطاب لم يكثر من استعمال مفردات مثل الحريات أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان، ولم يتوقف عند الإصلاحات التشريعية أو المؤسساتية التي راكمها المغرب خلال العقود الماضية. غير أن هذا الغياب الظاهري للمصطلحات لا يعني غياب الرؤية الحقوقية، بل يعكس انتقالها إلى مستوى أكثر عمقاً؛ مستوى تصبح فيه الحقوق معياراً لقياس نجاعة السياسات العمومية، لا مجرد عنوان للإصلاحات.

لقد أمضى المغرب أكثر من خمسة وعشرين عاماً في بناء منظومة حقوقية متكاملة، انطلقت مع المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وتعززت بالإصلاحات الدستورية، وتطورت عبر تحديث التشريعات، وتقوية المؤسسات، وتوسيع الانخراط في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان. وقد شكل هذا المسار أحد أبرز عناصر تحديث الدولة المغربية.

غير أن المشروع الحقوقي، بطبيعته، لا يمكن أن يظل رهيناً بمنطق البناء المؤسساتي إلى ما لا نهاية. فكل منظومة تصل، في مرحلة من مراحل تطورها، إلى سؤال مختلف: ماذا تغير في حياة الإنسان؟

هنا تحديداً تتجلى أهمية خطاب العرش.

فالخطاب لا يعيد النقاش إلى النصوص القانونية، بل ينقله إلى أثرها الاجتماعي. ولا يقيس نجاح الدولة بعدد المؤسسات أو القوانين، وإنما بقدرتها على تقليص الفوارق، وتعزيز العدالة المجالية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين الخدمات، وضمان شروط العيش الكريم. إنه انتقال من هندسة الحقوق إلى هندسة الكرامة.

وهذا التحول ينسجم مع النقاش الحقوقي الدولي المعاصر، الذي أصبح يركز على التنفيذ والأثر أكثر من تركيزه على إنتاج المعايير. فالمعيار الحقيقي لنجاح الدولة الحديثة لم يعد عدد الاتفاقيات التي صادقت عليها، بل مدى قدرة المواطن على التمتع الفعلي بحقوقه دون تمييز، ومدى انعكاس السياسات العمومية على جودة حياته.

ومن هذا المنطلق، يكتسب مفهوم العيش الكريم، كما ورد في الخطاب، قيمة حقوقية واستراتيجية كبيرة. فهو لا يحيل فقط إلى تحسين الدخل أو توسيع الحماية الاجتماعية، بل يعبر عن رؤية تجعل الإنسان محور النمو الاقتصادي، وغاية الاستثمار، ومقياس نجاح التنمية. وهنا تصبح الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليست نتائج جانبية للسياسات العمومية، بل غايتها الأساسية.

كما أن الإصرار على العدالة المجالية يحمل بدوره دلالة حقوقية عميقة. فالمساواة لا تتحقق بمجرد توحيد النصوص، وإنما عندما لا تصبح الجغرافيا سبباً في تفاوت الفرص، وعندما يحصل المواطن، أينما كان، على فرص متقاربة في التعليم والصحة والاستثمار والخدمات الأساسية. إنها ترجمة عملية لمبدأ المساواة في الاستفادة من ثمار التنمية.

ولعل أكثر ما يميز هذه الرؤية أنها تتجاوز الثنائية التقليدية التي طالما قدمت الأمن والحقوق باعتبارهما مجالين متعارضين. فالخطاب يؤسس لمعادلة مختلفة: دولة مستقرة، واقتصاد قوي، وتنمية شاملة، وعدالة مجالية، وحماية اجتماعية… كلها ليست مسارات متوازية، بل منظومة واحدة هدفها صون الكرامة الإنسانية وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن.

ومن هنا، يمكن القول إن الخطاب يؤشر إلى دخول المغرب مرحلة ثالثة من تطور مشروعه الحقوقي. فإذا كانت المرحلة الأولى قد انشغلت ببناء دولة الحقوق، والثانية بترسيخ مؤسساتها وتوسيع ضماناتها، فإن المرحلة الراهنة تجعل من الأثر الحقوقي للسياسات العمومية المعيار الحقيقي لنجاح الدولة.

إنها رؤية تنقل حقوق الإنسان من المجال القانوني إلى المجال التنموي، ومن النص إلى الممارسة، ومن المؤسسة إلى المواطن، ومن المؤشرات الشكلية إلى النتائج الملموسة.

وهذا، في جوهره، هو الرهان الكبير الذي يطرحه خطاب الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش: أن تصبح كرامة الإنسان ليست فقط قيمة دستورية أو مبدأً سياسياً، بل المؤشر الأسمى الذي تُقاس به فعالية الدولة، ونجاح الإصلاح، وجدوى التنمية. وعندما تبلغ الدولة هذه المرحلة، فإن حقوق الإنسان لا تعود ملفاً مستقلاً ضمن السياسات العمومية، بل تصبح الإطار الجامع الذي يمنحها معناها وغايتها.