شاهدت شريطا مصورا مجتزأ للزميل والصديق الأستاذ عبد الكبير طبيح، المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، يتناول فيه بعض جوانب الشأن القضائي. ولا خلاف في أن من حقه، كما هو حق غيره، أن يعبر عن رأيه، مؤيدا أو منتقدا، فحرية التعبير من الدعائم الأساسية لدولة الحق بسيادة القانون.
غير أن ممارسة هذا الحق متى تعلقت بمؤسسة دستورية في مكانة السلطة القضائية، إلا واستوجبت قدرا أعلى من التحري والدقة واستحضار المسؤولية، حتى لا تتحول إلى وسيلة لترسيخ وقائع غير ثابتة أو استنتاجات لا يسندها القانون ولا الواقع.
وقد تمحور حديثه، في جوهره، على ثلاثة أفكار رئيسة:
الأولى: أن هناك – على حد تعبيره – “مجزرة في القضاء”، بدعوى أن غرف الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء تصدر أحكامها القاضية بالسجن بعد مداولات تتم فوق منصة الجلسة، دون الاختلاء بالقاعة المخصصة لذلك.
الثانية: أن جدول توزيع الجلسات بالمحاكم يعد داخل اللجنة الثلاثية دون علم السادة النقباء، بما يشكل – بحسب قوله – إخراجا لجسم المحاماة من هذه المهمة.
الثالثة: أن مشروع القانون التنظيمي الذي أشرف عليه السيد وزير العدل الأسبق، الأستاذ مصطفى الرميد، هو الذي ألغى اللجنة الثلاثية، وأخرج النقيب منها، وأحل كاتب الضبط محله، فأصبحت المحاماة، بحسب وصفه، غريبة عن هذا الإطار.
وبالتأمل في هذه الأفكار، يتبين أنها تضمنت عددا من المغالطات القانونية والواقعية، صراحة أو ضمنا، الأمر الذي يقتضي الوقوف عندها وبيان حقيقتها، وذلك من عدة وجوه:
أولا: بعد التحري والاستقصاء لدى عدد من الموظفين العاملين بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وكذا لدى عدد من المحامين المنتمين إلى هيئة الدار البيضاء، لم يثبت أن غرفة من غرف الجنايات أصدرت يوما حكما بالسجن إثر مداولة تمت فوق منصة الجلسة، وإنما الذي تجري المداولة بشأنه بتلك الطريقة، في جميع المحاكم وبمختلف درجاتها، هو الأوامر الولائية المتعلقة بتجهيز القضية، من قبيل: إمهال الأطراف لإعداد الدفاع، أو استدعاء، الشهود أو الخبراء أو الطرف المدني؛ وهي إجراءات تمهيدية لا علاقة لها بالمداولة في جوهر الدعوى أو إصدار الأحكام.
ثانيا: إن إطلاق وصف “المجزرة” على القضاء، في غياب الواقعة التي بُنِي عليها هذا الوصف، لا يعد مجرد تعبير عابر، وإنما يمثل مساسا غير مبرَّر بسمعة مؤسسة دستورية وبكرامة القضاة، ويقوض ثقة المواطنين في العدالة دون أساس من الواقع أو القانون، وهو أمر لا يسع كل من يستحضر مكانة القضاء ودوره في حماية الحقوق والحريات إلا أن يستنكره ويستشعر خطورته.
ومن ثم، فإن استعمال مثل هذه الأوصاف، في غياب ما يسندها من وقائع ثابتة، لا ينسجم مع ما تقتضيه الأعراف المهنية من تحرٍّ للدقة، ولا مع المسؤولية التي تفرضها مكانة المتحدث. وإني لأربأ بالأستاذ عبد الكبير طبيح، بما عُرف عنه من تجربة وخبرة، أن يكون قد قصد إلى هذا الأثر.
ثالثا: إن القول بأن اللجنة الثلاثية هي التي تُعِد جدول الجلسات يعتبر خطأ فادحا، ذلك أن المواد 29 و33 و34 من قانون التنظيم القضائي أسندت هذه المهمة إلى مكتب المحكمة، على أن يعرض الجدول بعد ذلك على الجمعية العامة للمحكمة للمصادقة عليه واتخاذ ما يلزم بخصوصه من قرارات، دون أن يكون للجنة الثلاثية أي اختصاص في هذا المجال.
رابعا: إن الدعوة إلى إشراك المحامين أو غيرهم من مساعدي القضاء في إعداد جدول الجلسات تمس، من حيث لا يشعر أصحابها، باستقلال الجمعية العامة للمحكمة، التي اعتبرتها المحكمة الدستورية، عن حق، بموجب قرارها عدد 89-19، الصادر بتاريخ 08 فبراير 2019، جهازا قضائيا يمارس اختصاصات قضائية خالصة لا يجوز أن تشاركه فيها جهات لا تنتمي إلى السلطة القضائية.
خامسا: إن تنظيم الشأن القضائي داخل المحكمة عبر جهاز الجمعية العامة يدخل في صميم الاختصاصات الحصرية للسلطة القضائية، وليس من قبيل الاختصاصات المشتركة أو القابلة للتنسيق مع الهيئات المهنية الأخرى. وقد أكدت المحكمة الدستورية هذا المعنى صراحة، بموجب قرارها المذكور أعلاه، بما يجعل أي دعوة إلى إشراك جهة خارج السلطة القضائية في هذا التنظيم مساسا بجوهر مبدإ استقلال القضاء الذي كرسه الدستور.
سادسا: وإذا كان منطق المشاركة يقتضي إشراك جسم المحاماة في إعداد برنامج توزيع الجلسات واعتماده، فإنه يقتضي، بالمنطق نفسه، إشراك القضاء في تدبير مجالس هيئات المحامين، وهو ما لا يقول به أحد لتعارضه مع استقلال مهنة المحاماة. وما كان مرفوضا حماية لاستقلال المحاماة، ينبغي أن يكون مرفوضا، بالقدر ذاته، حماية لاستقلال القضاء.
سابعا: إن جسم المحاماة لم يكن يوما عضوا في الجمعية العامة للمحكمة المختصة في اعتماد برنامج توزيع الجلسات، حتى يصح القول إنه أُخرج منها أو تم إبعاده عنها. ومن ثم، فإن هذا الادعاء يظل مغالطة واقعية وقانونية كان على الأستاذ عبد الكبير طبيح أن يتلافى الوقوع في ترويجها.
ثامنا: إن مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، اللذين أشرف عليهما السيد وزير العدل الأسبق الأستاذ مصطفى الرميد، لم يتضمنا أي مقتضى يمنح هيئات المحامين عضوية الجمعية العامة للمحكمة أو يخولها المشاركة في إعداد جدول الجلسات. ولعل مواد المشروعين خير شاهد على ذلك، فهي الفيصل عند الاختلاف لا الانطباعات الذاتية أو القراءات الشخصية، والعرب بالباب كما يقال.
وجماع ما تقدم ولازمه، فإن الدفاع عن القضاء لا يعني مصادرة حق أحد في نقد عمله أو تقويم أدائه، وإنما ينبغي أن يقوم هذا النقد على الوقائع الثابتة، وأن يستند إلى النصوص القانونية، وأن يلتزم الدقة والإنصاف، لأن النقد غير المؤسس للقضاء لا يضر بالقضاة فحسب، بل يمس ثقة المواطنين في العدالة، وهي من أهم مقومات دولة الحق والقانون.
ومن ثم، فإن الاختلاف في الرأي يبقى مشروعا، بل ومطلوبا، غير أن الحقيقة القانونية والواقعية ينبغي أن تظل هي المرجع، وأن يبقى النقاش المهني محكوما بروح المسؤولية، وهو ما افتقدته تصريحات الأستاذ عبد الكبير طبيح، مع كامل التقدير لشخصه ولتجربته.






