سياسة واقتصاد

سبتة ومليلية المحتلتان عندما يصبح اختزال التاريخ في الهجرة خطأً سياسياً

فؤاد إبن المير (باحث في علم الاجتماع)
هناك لحظات تكشف فيها الأحداث أكثر مما تخفي. وما يقع بين الفينة والأخرى على حدود سبتة ومليلية ليس مجرد خبر عابر عن محاولات للهجرة غير النظامية، بل مرآة تعكس تعقيدات تاريخ لم يُغلق، وجغرافيا لم تُغادر الوعي، وسياسة لم تمتلك بعد شجاعة مواجهة الأسئلة الكبرى.

ومع كل موجة عبور جماعي، تتكرر اللغة نفسها. تتحدث التقارير عن البطالة، الفقر وانسداد الأفق. وتُستدعى الإحصاءات لتفسير اندفاع مئات الشباب نحو البحر أو الأسوار. ولا شك أن هذه العوامل حقيقية، وأن إنكارها لا يخدم أحداً. غير أن الاكتفاء بها يختزل قضية مركبة في بعدها الاقتصادي، بينما الحقيقة أوسع وأعمق.

فسبتة ومليلية المحتلتان ليستا مجرد معبرين نحو أوروبا، كما أنهما ليستا مجرد نقطتين حدوديتين تتطلبان مزيداً من المراقبة الأمنية. إنهما مدينتان تقعان في القارة الإفريقية، وفي المجال الجغرافي للمملكة المغربية، وتحملان حمولة تاريخية وسياسية تجعل أي قراءة لهما بمنظار الهجرة وحدها قراءة قاصرة.

إن الأمم لا تعيش بالجغرافيا وحدها، بل تعيش أيضاً بذاكرتها. والذاكرة الوطنية لا تحفظ الوقائع باعتبارها أحداثاً من الماضي، وإنما باعتبارها عناصر مكوِّنة للهوية. لذلك فإن سبتة ومليلية ظلتا، بالنسبة إلى المغاربة، أكثر من مدينتين؛ إنهما جزء من سؤال تاريخي لم يفقد حضوره، وإن اختلفت طرائق التعبير عنه عبر الزمن.

ومن هنا، فإن اختزال كل ما يحدث في دوافع اجتماعية واقتصادية يبتعد عن فهم جانب أساسي من الظاهرة، وهو بعدها النفسي والاجتماعي. فالشباب الذين يندفعون نحو الحدود لا يحملون في أذهانهم حسابات اقتصادية مجردة، بل يتحركون أيضاً داخل عالم من الرموز والصور والتمثلات. إنهم يرون أوروبا أمام أعينهم، ويفصلهم عنها سياج معدني، فيتحول ذلك السياج في المخيال الجماعي إلى رمز للفصل بين عالمين، أكثر مما يكون مجرد حاجز مادي.

وهذا ما يجعل المقاربة الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، عاجزة عن إنتاج حل دائم. فهي تعالج النتيجة ولا تمس الأسباب، وتؤجل الأزمة لكنها لا تنهيها. فالقضايا التي تتداخل فيها السياسة بالتاريخ، والجغرافيا بعلم النفس الاجتماعي، لا يمكن أن تُدار بمنطق أمني خالص.

لقد أبان المغرب، خلال العقود الأخيرة، عن مسؤولية كبيرة في تدبير ملف الهجرة، ليس فقط دفاعاً عن أمنه الوطني، بل أيضاً حفاظاً على استقرار جواره الإقليمي. وقد تحمل أعباء بشرية ومالية وسياسية جسيمة في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، وأصبح شريكاً أساسياً للاتحاد الأوروبي في هذا المجال.

غير أن هذا الدور لا ينبغي أن يؤدي إلى اختزال صورة المغرب في وظيفة حراسة الحدود.

فالمغرب ليس دركياً للاتحاد الأوروبي، وليس مجرد حارس لبوابته الجنوبية، وإنما دولة ذات سيادة، صاحبة تاريخ ومصالح وحقوق، وشريك كامل الأهلية في صناعة الأمن والاستقرار الإقليميين. ومن ثم، فإن أي شراكة حقيقية يجب أن تقوم على الندية، وعلى تقاسم المسؤوليات، وعلى الاعتراف بالمصالح المشروعة لكل طرف، لا على توزيع الأعباء بصورة غير متوازنة.

كما أن الاتحاد الأوروبي مدعو إلى تجاوز المقاربة التي تجعل من الهجرة مركز كل السياسات المتوسطية. فالاستقرار لا يتحقق بالأسوار وحدها، ولا بالتمويل الأمني وحده، وإنما بالاستثمار في التنمية، وببناء فضاء متوسطي يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وعلى معالجة القضايا السياسية التي تظل كامنة خلف الأزمات المتكررة.

أما إسبانيا، فإن من مصلحتها، كما من مصلحة المغرب، أن تنتقل بالعلاقة الثنائية إلى مرحلة أكثر نضجاً ووضوحاً. فالعلاقات بين الدول لا ينبغي أن تخضع لتقلب الحكومات أو تغير الحسابات الظرفية. إن بناء الثقة يقتضي الاعتراف بأن هناك ملفات تاريخية لا تزول بالصمت، ولا تُحل بإرجائها، بل بالحوار المسؤول والإرادة السياسية.

ولعل التجربة المتعلقة بجبل طارق تقدم درساً بالغ الدلالة. فعلى الرغم من استمرار الخلاف حول السيادة بين بريطانيا وإسبانيا، لم يُغلق باب الحوار، ولم يتحول النزاع إلى مبرر لقطع العلاقات أو تعطيل التعاون. لقد ظل الملف مطروحاً للنقاش السياسي والدبلوماسي، مع البحث المستمر عن صيغ توازن بين الاعتبارات القانونية والسياسية والإنسانية. وهذا يؤكد أن القضايا التاريخية لا تُدار بالإنكار، بل بالحوار طويل النفس، وبالإيمان بأن الحلول المستدامة تُبنى بالتفاوض لا بالتجاهل.

ولا يعني ذلك نقل تجربة إلى أخرى، فلكل نزاع خصوصيته، ولكن يعني الإقرار بأن التاريخ لا ينبغي أن يكون عبئاً دائماً، بل يمكن أن يصبح مدخلاً لبناء تفاهمات جديدة إذا توفرت الإرادة السياسية.

لقد عُرف المغرب، على امتداد تاريخه، بأنه دولة تحترم القانون الدولي، وتفي بالتزاماتها، وتؤمن بأن الحوار هو الطريق الأمثل لتسوية الخلافات. ولم يكن هذا الاختيار تعبيراً عن ضعف، بل عن ثقة في قوة الشرعية، وإدراك بأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا في ظل الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

ومن هذا المنطلق، فإن التفكير في مستقبل سبتة ومليلية ينبغي أن يغادر دائرة ردود الأفعال، وأن يتحول إلى أفق سياسي واضح، تشارك فيه إسبانيا والاتحاد الأوروبي والمغرب بروح المسؤولية، بعيداً عن الحسابات الظرفية، وقريباً من منطق التاريخ والجغرافيا والقانون.

إن بناء علاقة مغربية إسبانية أكثر رسوخاً لا يمر عبر إدارة الأزمات المتكررة، بل عبر امتلاك الشجاعة الكافية لطرح الأسئلة التي جرى تأجيلها طويلاً. فالصداقة الحقيقية بين الدول لا تقوم على تجنب الملفات الصعبة، وإنما على القدرة على مناقشتها بعقلانية واحترام وثقة.

إن الأمم العريقة لا تتحدث كثيراً عن حقوقها، لأنها تحفظها في ذاكرتها قبل وثائقها، وفي وجدان شعبها قبل خرائطها. ولذلك ستظل سبتة ومليلية، بالنسبة إلى المغرب، قضية تاريخ وسيادة، لا مجرد ملف للهجرة أو تحدٍ أمني عابر.

ولعل الحكمة السياسية الحقيقية لا تكمن في إدارة الأزمات، بل في امتلاك الجرأة على إنهائها. فالتاريخ لا يخلّد من أحسنوا تأجيل المشكلات، وإنما يذكر أولئك الذين امتلكوا الشجاعة لتحويلها إلى فرص للسلام، والتفاهم، وبناء مستقبل أكثر عدلاً واستقراراً.