فثمة أخوّةٌ لا تبدأ من الرحم، وإنما تبدأ من الرحمة؛ وثمة أخوات بنات لا تلدهن الأمهات، لكنهن يولدن كل يوم في دفء البيوت، وفي كرم القلوب، وفي تلك الروابط الخفية التي لا يعرف لها الناس اسمًا سوى المحبة.
كان البيت فخما ومتواضعا في آن واحد، و كبيرًا بما يمنحه.
أمٌّ لم يمهلها الزمن لتكمل تعليمها، فقد أُغلقت في وجهها أبواب المدرسة وهي طفلة، لا لذنب اقترفته، ولكن لأن الخوف كان يومئذٍ أقوى من الحلم لدى أب لم يحتمل ان يعاكس اولاد الدرب أبنته.
خرجت من الفصل بسبب تعنث اب، لكنها لم تخرج من مدرسة الحياة؛ فصارت الحكمة كتابها، والصبر معلمها، والحنان لغتها التي لا تحتاج إلى ترجمان.
وأبٌ عرف اليتم قبل أن يعرف الشباب، وذاق مرارة الفقد حين خطفت يد الغدر أحد شقيقيه في السنوات الأولى للاستقلال.
بدأ من الصفر، يحمل موهبته كما يحمل المسافر مصباحًا في ليلة طويلة، حتى غدا فنانًا كبيرًا، جاور الكبار، وخالط الملوك، وظل، رغم ذلك، يؤمن بأن المجد الحقيقي لا يُقاس بما يصفق له الناس، بل بما يتركه الإنسان في نفوس أبنائه.
لذلك جعل من العلم ميراثًا لا يذبل، وكان يحتفظ بالشهادات المدرسية لأبناءه كما يحتفظ الفلاح ببذوره، يراها وعدًا بمواسم أجمل، حتى أزهرت تلك البذور شهاداتٍ جامعية عليا، وأيقن أن الرهان على المعرفة لا يخيب.
وفي ذلك البيت، حطّت ذات يوم طفلة جاءت من الصحراء، تحمل في عينيها اتساع الأفق، وفي قلبها براءة الرمل حين يعانق المطر.
لم تدخل من باب القرابة، بل من باب القدر والرحمة.
احتضنها البيت قبل أن تحتضنها الجدران، وصارت واحدة من أبنائه.
تعلمت من ربة الأسرة أن البيت ليس جدرانًا وأثاثًا، بل نظامٌ وأخلاق، وعطاءٌ لا يُحصى، ومحبةٌ تُمارَس في التفاصيل الصغيرة.
وكان للكتب معها موعدٌ آخر. كانت تفتحها كما يفتح العطشان نافذةً على نبع.
لم تعرف المدرسة طريقًا إليها، لكنها عرفت طريقها إلى المعرفة. تعلمت القراءة والكتابة بإرادة لا تعرف المستحيل، وأثبتت أن العقل الحرّ لا يحتاج دائمًا إلى مقعد دراسي كي ينمو، بل يحتاج إلى شغف لا ينطفئ.
كبرت الطفلة، وكبر معها الحلم و زارت الديار المقدسة مع حاظنها وأبيها وحاميها.
وحين آن أوان الفرح، وقف الأب، رحمه الله، ومعه أفراد من الأسرة الصغيرة، ليقيموا لها عرسًا يليق بابنة الدار، عرسًا شهدت عليه الأسرة الكبيرة والأصدقاء والجيران.
وكذلك تمت إعانتها على أن تمتلك بيتًا يكون لها وطنًا صغيرًا، يحميها من تقلبات الأيام، ويمنحها شيئًا من الطمأنينة التي يستحقها كل إنسان.
ثم بدأت رحلة أخرى... رحلة الأمومة.
أفرغت سنوات عمرها في تربية ابنتها، لا لتصنع منها امتدادًا لها، بل لتفتح أمامها الأبواب التي أُغلقت يومًا في وجهها.
كانت ترى في نجاح ابنتها انتصارًا للعلم، وعدالةً متأخرة للحياة، وكأن الأحلام التي تعثرت في جيل، يمكن أن تكمل سيرها في الجيل الذي يليه.
واليوم، لا تزال تلك السيدة الفاضلة تمشي بين الناس كما تمشي الأشجار؛ تمنح الظل ولا تسأل من جلس تحته، وتمنح الثمر ولا تنتظر الشكر.
يلتف حولها حب الأسرة، ومودة الجيران، واحترام كل من عرفها، لأنها أدركت أن الإنسان لا يكبر بما يملك، بل بما يمنح.
إنها امرأة لم تنل نصيبها من التعليم النظامي، لكنها نالت من مدرسة الحياة ما لا تمنحه الجامعات.
تركت أثرًا في القلوب أعمق من أثر الشهادات على الجدران، وأثبتت أن الثقافة ليست دائمًا ما يُكتب في السِّير الذاتية، بل ما يُكتب في سيرة الإنسان بين الناس.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عنها، أنها كانت ولازالت أختًا لم تلدها الأم، لكنها ولدتها الأيام، وربّتها المحبة، واعترفت بها القلوب الرحمة.
وهكذا تبقى بعض العلاقات أجمل من أن تُفسَّر، وأصدق من أن تُعرَّف؛ لأنها لا تنتمي إلى شجرة النسب، بل إلى شجرة الوفاء، تلك التي كلما مرّ عليها الزمن، ازداد ظلها اتساعًا، وازداد ثمرها نضجًا، وبقيت جذورها راسخة في ذاكرة لا يطالها النسيان.






