سياسة واقتصاد

27 سنة من التحول الأمني.. من الإدارة التقليدية إلى منظومة استباقية رقمية رائدة

محمد الطيار (رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية)
شهدت المنظومة الأمنية المغربية تحولا جذريا وعميقا خلال الـ27 سنة الماضية من حكم صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حيث انتقلت من المقاربة التقليدية المرتكزة على تدبير الأزمات ورد الفعل، إلى منظومة استباقية ورقمية محترفة تمثل صمام الأمان للاستقرار الوطني والإقليمي. وقد تميزت هذه الفترة بإعادة هندسة شاملة للبنية الأمنية تجسدت في تأسيس مؤسسات متخصصة وعصرية، أبرزها المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ) الذي شكل قفزة نوعية في تفكيك الخلايا الإرهابية، إلى جانب تحديث المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) وتعميق تنسيقها الميداني مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) لتوفير حماية متكاملة للوطن والمواطنين.

وفي مسار التحديث، شكلت الثورة الرقمية والاعتماد الواسع على التكنولوجيا الركيزة الأساسية لرفع نجاعة التدخلات الأمنية بالمملكة. وشمل هذا التحول رقمنة المساطر الإدارية وتعميق آليات العمل الجنائي عبر تعميم النظام المعلوماتي لتدبير دوائر الشرطة، وإطلاق الجيل الجديد من البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية لدعم السيادة الرقمية ومحاربة التزوير، بالإضافة إلى إحداث بنيات متخصصة لرصد الجريمة السيبرانية وحماية البنيات التحتية الحيوية، واستخدام الذكاء الاصطناعي وكاميرات المراقبة الحضرية الذكية لتأمين الفضاء العام بفعالية عالية.

وتجلت الاستباقية المغربية بشكل ملموس في النجاح المشهود له عالميا في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود ،حيث نجحت الاستراتيجية الوطنية في تفكيك مئات الخلايا الإرهابية قبل انتقالها للتنفيذ، موازاة مع إطلاق برامج لإعادة التأهيل الفكري والاجتماعي مثل برنامج "مصالحة". كما تمكنت المصالح الأمنية من شل حركة شبكات تهريب البشر ومكافحة الاتجار الدولي في المخدرات، عبر تشديد المراقبة الحدودية وتطوير آليات الرصد والدعم اللوجيستي الميداني.

وقد توازى هذا التطوير التقني مع تحول عميق في العقيدة الأمنية نحو تكريس الحكامة الأمنية واحترام حقوق الإنسان ومفهوم الشرطة المواطنة او الشرطة المجتمعية . وتجسد ذلك في مأسسة الشفافية عبر رقمنة مباريات التوظيف، وتحديث برامج المعهد الملكي للشرطة لإدراج العلوم الجنائية واللغات الحية وثقافة حقوق الإنسان كأصل ثابت في التحقيقات. كما انفتحت المؤسسة الأمنية على محيطها الخارجي عبر التواصل الرقمي المستمر وتنظيم أيام الأبواب المفتوحة، مما ساهم في تعزيز جسور الثقة المتبادلة بين الشرطة والمواطنين وأنسنة خدمات المرفق العام.

وعلى الصعيد الدولي، رسخ المغرب مكانته كشريك استراتيجي لا غنى عنه في منظومة الأمن العالمي بفضل دقة استخباراته وريادته الإقليمية، حيث ساهمت المملكة في تقديم معلومات حاسمة جنبت دولا غربية وأفريقية كبرى هجمات دموية. وقد توج هذا المسار المتميز بانتراف دولي صريح تمثل في انتخاب المغرب لرئاسة الدورة الـ93 للجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية إنتربول لعام 2025 واحتضان أشغالها في مدينة مراكش، فضلاً عن الدور الريادي للمملكة في تعزيز التعاون جنوب-جنوب عبر تكوين الكوادر الأمنية الأفريقية لمواجهة التهديدات في منطقة الساحل.

وعند مقارنة المؤسسة الأمنية اليوم بما كانت عليه في العقود الماضية، يتضح حجم المكتسبات المحققة في الانتقال من الأساليب الكلاسيكية والوسائل الورقية إلى الرقمنة الشاملة والعمل القائم على التنبؤ والتحليل اللوجيستي، مع التحول من منظومة منغلقة نسبياً إلى مؤسسة تواصلية بامتياز. ورغم هذه المكتسبات الكبيرة، تبرز تحديات مستقبلية تتطلب يقظة مستمرة وتحديثا متواصلا، وعلى رأسها مواجهة الجيل الجديد من الحروب الإلكترونية، والتصدي لاستغلال الجريمة المنظمة للذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، ومراقبة الحدود الجنوبية والشرقية في ظل عدم الاستقرار بمنطقة الساحل، فضلا عن التحدي اللوجيستي والتنظيمي الكبير لتأمين التظاهرات العالمية الكبرى القادمة التي سيحتضنها المغرب، وفي مقدمتها نهائيات كأس العالم 2030.