سياسة واقتصاد

الفلاحة تصنع الثروة.. ولا تؤمن بالحرية المالية

رياض وحتيتا (خبير فلاحي)
في السنوات الأخيرة، انتشر مفهوم “الحرية المالية” بشكل واسع، وأصبح يُسوَّق على أنه الطريق المختصر نحو الثراء، حيث يكفي أن تستثمر أموالك أو تدير بعض الأنشطة عن بُعد لتجني الأرباح دون عناء. لكن عندما نتحدث عن الفلاحة، فإن هذا المفهوم يصطدم بواقع مختلف تمامًا، لأن الأرض لا تؤمن بالشعارات، بل تعترف فقط بالعمل، والصبر، والإنتاج.

قد يكون هذا المفهوم مناسبًا لبعض القطاعات الحديثة، مثل البرمجة، وتطوير التطبيقات، والخدمات الرقمية، والتجارة الإلكترونية، وصناعة المحتوى، حيث يستطيع شخص واحد، مستعينًا بحاسوبه واتصال بالإنترنت، أن يدير مشروعًا يحقق دخلاً كبيرًا مع تدخل بشري محدود، بل إن الذكاء الاصطناعي والأتمتة أصبحا اليوم يقللان الحاجة إلى اليد العاملة في العديد من هذه المجالات.

أما الفلاحة، فهي قطاع مختلف تمامًا. فهي لا تزال، خصوصًا في المغرب، تعتمد بشكل كبير على العنصر البشري في مختلف مراحل الإنتاج؛ من تحضير الأرض، والغرس، والسقي، والتقليم، والمعالجة، وصولًا إلى الجني والفرز والتوضيب. ورغم التطور الذي تعرفه التقنيات الفلاحية، فإن المكننة والرقمنة لم تصلا بعد إلى مستوى يجعل المشروع الفلاحي يعمل بصورة شبه مستقلة. لذلك، يصعب الحديث عن “حرية مالية” في قطاع يحتاج إلى الحضور اليومي، والمتابعة المستمرة، واتخاذ القرار في كل مرحلة من مراحل الإنتاج.

بل إن الفلاحة في المغرب تواجه تحديات إضافية تزيد من صعوبة هذا المفهوم، من تقلبات المناخ، وتوالي سنوات الجفاف أو موجات الحر، إلى تذبذب الأسعار، وارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة والأعلاف والنقل، فضلًا عن النقص المتزايد في اليد العاملة الفلاحية. لذلك، لا يستطيع الفلاح أن يبتعد عن مشروعه ويتركه يعمل وحده، لأن أي قرار متأخر قد يكلفه موسمًا كاملًا.

ورغم أن النشاط الفلاحي يستفيد، في بعض الحالات، من إعفاءات ضريبية، فإن ذلك لا يعني أبدًا أنه يتمتع بحرية مالية في التدبير. فالإعفاء الضريبي لا يعوض خسارة محصول، ولا يحمي من الأمراض والآفات، ولا يضمن استقرار الأسعار. إن نجاح المشروع الفلاحي يبقى مرتبطًا بحسن التسيير، والقدرة على التكيف مع المخاطر، أكثر من ارتباطه بأي امتياز جبائي.

ومن هنا، فإن الفلاحة لا تحتاج إلى مدير (Manager) يراقب الأرقام من مكتبه، بقدر ما تحتاج إلى قائد (Leader) يعيش الميدان، ويقرأ مؤشرات الأرض قبل ظهورها في التقارير، ويقود فريق العمل، ويتخذ القرار في الوقت المناسب. فالمشاريع الفلاحية الناجحة لا تُبنى برأس المال وحده، وإنما بقيادة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص.

إن أكبر خطأ هو محاولة إسقاط مفاهيم صُممت لقطاعات رقمية على قطاع إنتاجي يعتمد على الإنسان والطبيعة. فالحرية المالية كما تُروَّج اليوم قد تكون ممكنة في بعض الأنشطة الرقمية، لكنها لا تنطبق على الفلاحة بالشكل نفسه، لأن هذا القطاع يرتبط بالإنتاج الحقيقي، وبخلق فرص الشغل، وبضمان الأمن الغذائي، وهي مسؤوليات لا يمكن أن تؤديها الخوارزميات وحدها.

إن مستقبل الفلاحة المغربية لا يكمن في البحث عن وهم الثراء السريع، بل في الاستثمار في المكننة، والرقمنة، والابتكار، وتأهيل العنصر البشري، حتى يصبح الفلاح أكثر إنتاجية وأقل تأثرًا بندرة اليد العاملة. فهذه هي الحرية التي يحتاجها القطاع، لا حرية الابتعاد عن العمل، بل حرية الإنتاج بكفاءة أعلى.

الفلاحة لا تعترف بالحرية المالية، بل تعترف بقيمة العمل، والقيادة، والإنتاج. ومن يفهم لغة الأرض يدرك أن الثروة الحقيقية لا تُصنع في دورات الثراء السريع، وإنما تُزرع، وتُروى، وتُنمّى بالصبر حتى تؤتي أكلها.