سياسة واقتصاد

كيف نحافظ على المؤسسات الدستورية مع تدبير الخلافات السياسية قبل وبعد الانتخابات؟

الحسن عبيابة (أستاذ جامعي ووزير سابق)
أطرح هذا السؤال لأهميته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. نحن في المغرب، بعد صدور دستور 2011 وعبور المرحلة التي أتت بعده، خرجنا بعدة مكتسبات وطنية لا يجادل فيها أحد؛ أهمها أن المغرب أصبح يملك مقومات الدولة الصناعية في المستقبل القريب، مع توفير بنية تحتية متطورة تعرف عليها العالم أثناء تنظيم كأس الأمم الإفريقية في السنة الماضية وأشاد بها الجميع. كما أن بعض المكتسبات الاجتماعية المتمثلة في توفير الحماية الاجتماعية التي جاءت بفضل مشروع جلالة الملك محمد السادس -نصره الله- لتعميم التغطية الصحية، تجلت في أن حوالي 90% يستفيدون حالياً بشكل أو بآخر من التغطية الصحية، كما أن الدعم بالمساعدات المالية بلغ حوالي 20 مليون مستفيد ومستفيدة، أي نحو ستة ملايين أسرة مغربية في وضعية هشاشة، وهناك برامج مقبلة لتحسين وضع الأسر الهشة أكثر مستقبلاً.

ومن بين المؤشرات الأخرى المهمة على المستوى الاقتصادي، فقد قفزت الاستثمارات بالمغرب بنسبة قياسية بلغت 91 في المائة سنة 2025، لتصل إلى 3.338 مليار دولار مقارنة بنحو 1.748 مليار دولار عام 2024، رغم التراجع الإقليمي في هذا المجال، مما يعني أن هناك ثقة دولية كبيرة في المؤسسات المغربية. وبهذا يكون المغرب قد نجح في مضاعفة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الوافدة عليه من جميع أنحاء العالم. كما أن المغرب بكل مؤسساته، بما فيها الحكومة الحالية، بذل مجهودات كبيرة في بناء مغرب صاعد ومتماسك جداً وواعد للأجيال القادمة. هذا لا يعني أننا لا نزال نعيش نواقص متعددة في المجالات الاجتماعية والسياسية، لكن البناء لا يأتي دفعة واحدة، خاصة أن التنمية الاقتصادية لم تعد ترتبط بالسياسة الداخلية فقط، وإنما أصبحت ترتبط بشكل أساسي بالعوامل الخارجية والتغيرات الجيوسياسية التي أصبحت سائدة في العالم بشكل مستمر، ويجب أخذها بعين الاعتبار في كل سياسة داخلية وخارجية للمغرب.

أردت بهذه المقدمة أن ننبه إلى أننا مقبلون على انتخابات برلمانية في 23 شتنبر 2026. هذه الانتخابات لا تهم الناخبين فقط الذين حددتهم اللوائح الحصرية في حدود 15 مليوناً تقريباً، ولكن تهم كل مواطن مغربي من جميع الفئات العمرية داخل المغرب وخارجه، لأنها تحدد مصير المغرب مستقبلاً على المستوى السياسي والديمقراطي والاجتماعي والاقتصادي. ولهذا السبب، فإن الجميع معني بنجاح هذه الانتخابات بغض النظر عن النظرة الحزبية الضيقة، لأن الأحزاب السياسية ليست إلا آلية للتعبير السياسي والديمقراطي، كما أن المعركة الانتخابية هي معركة داخلية صرفة يجب إنجاحها لإعطاء صورة إيجابية داخلياً وخارجياً. كما أنه يجب إبعاد العملية الانتخابية عن الحسابات السياسية الضيقة وغيرها، ويجب علينا جميعاً ألا نتيح فرصاً للمتربصين بالمغرب للطعن في كل الخطوات والمحطات التي ينجزها؛ حيث يلاحظ أنه كلما أقبل المغرب على مرحلة معينة في استحقاقاته الدستورية، إلا وظهرت جهات معروفة وجهات غير معلومة لضرب أي استحقاق لإضعاف المؤسسات وضرب الثوابت الوطنية الضامنة للاستقرار العام ببلادنا.

وهنا يجب أن نشير ونشيد في الوقت نفسه بالمؤسسات الأمنية الساهرة على أمن البلاد واستقراره بكل أصنافها، وهذا المعطى الأمني المتميز هو أساس التنمية والاستثمار والاستقرار، لذلك تحاول بعض الجهات المعادية لبلادنا الهجوم على هذه المؤسسات إعلامياً ونشر افتراءات من صنع خيالها، لكن الحمد لله، المغرب أصبحت له مناعة قوية وصلبة لا تزيدها هذه التصرفات العدائية إلا قوة وصلابة. وللإشارة، فإن العديد من الدول لها إمكانيات كبيرة لكنها مهددة بعدم الاستقرار، وقد أثبتت الحرب الدائرة حالياً بالشرق الأوسط ذلك. بالإضافة إلى أن معظم التقارير الاقتصادية الدولية والإقليمية المعتمدة تؤكد أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا تُنجز في خمس سنوات أو عشر سنوات، وإنما هو مسار مستمر ومتجدد يحتاج إلى تعبئة عامة شاملة ومستمرة يشارك فيها الجميع كل من جهته وقدرته. فالمساهمة في إنجاح الانتخابات البرلمانية وإعطاؤها مصداقية لا تعني الناخب فقط، وإنما الجميع، بعدم التشويش عليها أو على المشاركين فيها.

مع الأسف، نرى أن الجدال السياسي في الإعلام العمومي لا يرقى إلى مستوى الحوار السياسي الوطني لاستيعاب المرحلة الراهنة التي نمر بها، وأصبحت بعض وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي تعلن حرباً بدون قضية لتثير الرأي العام فقط. كما أن البرامج الانتخابية للأحزاب تنتهي بنهاية الانتخابات، لأن التركيبة السياسية والدستورية في المغرب تعطي تحالفات سياسية تشكل أغلبية لتنفيذ برنامج الدولة المستمر حفاظاً على المكتسبات. نحن لسنا دولة الأحزاب السياسية التي تقترح وتنفذ وتفعل ما تشاء، ولذلك فلنا دستور جديد يؤمن لنا الاستمرارية السياسية والاقتصادية، والجميع يحاول التغلب على الجوانب الاجتماعية التي لا تزال تمثل خصاصاً وهشاشة في العديد من مناطق المغرب، وهذا هو التحدي ليس فقط للحكومة المقبلة، وإنما هو تحدي للعقود المقبلة. ونحن على يقين تام بأن رؤية جلالة الملك محمد السادس، انطلاقاً من صلاحياته الدستورية، قد وضعت مساراً سياسياً وتنموياً ثابتاً سيجعل من المغرب الدولة الصاعدة بمقومات الدولة الحديثة على مستوى القارة الإفريقية وعلى مستوى المنطقة المتوسطية بكاملها.