سياسة واقتصاد

المغرب.. حين أصبحت حقوق الإنسان أحد روافد قوته الناعمة

سعيد التمسماني (محلل سياسي)
في‭ ‬عالم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فيه‭ ‬مكانة‭ ‬الدول‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بمؤشراتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬بنفوذها‭ ‬السياسي،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬وإنتاج‭ ‬الحلول‭ ‬وتقاسم‭ ‬الخبرات،‭ ‬نجح‭ ‬المغرب،‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬تجربة‭ ‬حقوقية‭ ‬متدرجة‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬أحد‭ ‬مكونات‭ ‬قوته‭ ‬الناعمة‭ ‬وأحد‭ ‬مصادر‭ ‬إشعاعه‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭.‬

فعشرون‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬الانخراط‭ ‬المسؤول‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الأممية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬محطة‭ ‬للوفاء‭ ‬بالالتزامات‭ ‬الدولية،‭ ‬بل‭ ‬مثلت‭ ‬خياراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬لتحويل‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬للإصلاح‭ ‬الوطني،‭ ‬ولإرساء‭ ‬نموذج‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التدرج،‭ ‬والحوار،‭ ‬والتوافق،‭ ‬والاستمرارية‭. ‬واليوم،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬محل‭ ‬تقدير‭ ‬وطني‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يحظى‭ ‬بإشادة‭ ‬متنامية‭ ‬من‭ ‬مسؤولين‭ ‬أمميين،‭ ‬وخبراء‭ ‬دوليين،‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬باعتباره‭ ‬تجربة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الإصلاح‭ ‬المؤسساتي‭ ‬والتفاعل‭ ‬البناء‭ ‬مع‭ ‬آليات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬النقاش‭ ‬الدولي‭ ‬حول‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

وقد‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬الإصلاح‭ ‬الداخلي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬البناء‭ ‬الدستوري‭ ‬والمؤسساتي،‭ ‬وتحديث‭ ‬المنظومة‭ ‬التشريعية،‭ ‬وترسيخ‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬مجلس‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وآلياته،‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الحقوق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬عبر‭ ‬مشاريع‭ ‬كبرى،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬ورش‭ ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية‭. ‬كما‭ ‬أسهمت‭ ‬التجربة‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬باعتبارها‭ ‬مدخلاً‭ ‬لبناء‭ ‬الثقة،‭ ‬وتحويل‭ ‬التوصيات‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬عمومية،‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الكونية‭ ‬والخصوصية‭ ‬الوطنية‭.‬

وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية،‭ ‬برزت المندوبية‭ ‬الوزارية‭ ‬المكلفة‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان كإحدى‭ ‬الركائز‭ ‬المؤسسية‭ ‬التي‭ ‬واكبت‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬من‭ ‬خلال:

1- تنسيق‭ ‬الحوار‭ ‬والتعاون‭ ‬مع‭ ‬منظومة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وآلياتها‭.‬

2- ‭‬إعداد‭ ‬التقارير‭ ‬الوطنية‭ ‬وتتبع‭ ‬تنفيذ‭ ‬التوصيات‭ ‬الدولية‭ ‬وفق‭ ‬مقاربة‭ ‬تشاركية‭.‬

3- ‭‬تطوير‭ ‬آليات‭ ‬وطنية‭ ‬للتنسيق‭ ‬والمتابعة‭ ‬أصبحت‭ ‬محل‭ ‬اهتمام‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭.‬

4- ‭‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬داخل‭ ‬الإدارة‭ ‬العمومية‭ ‬وتعزيز‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الحقوقية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬وتقاسم‭ ‬الخبرات‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذه‭ ‬التجربة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬فيما‭ ‬حققته‭ ‬داخل‭ ‬المغرب،‭ ‬بل‭ ‬فيما‭ ‬أضافته‭ ‬إلى‭ ‬النقاش‭ ‬الحقوقي‭ ‬الدولي‭. ‬فالمملكة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تكتفي‭ ‬بالتفاعل‭ ‬مع‭ ‬المنظومة‭ ‬الأممية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الممارسات‭ ‬الفضلى،‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬جنوب–جنوب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬رسخ‭ ‬مكانتها‭ ‬كشريك‭ ‬موثوق‭ ‬وصاحب‭ ‬تجربة‭ ‬تحظى‭ ‬بالاحترام‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تبدو‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬امتداداً‭ ‬طبيعياً‭ ‬لهذا‭ ‬المسار،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬عناصر‭ ‬الريادة‭ ‬التي‭ ‬راكمها‭ ‬المغرب،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها:

1- ‬ترسيخ‭ ‬مكانته‭ ‬مركزاً‭ ‬إفريقياً‭ ‬وعربياً‭ ‬للتكوين‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

2- ‬تطوير‭ ‬حلول‭ ‬رقمية‭ ‬وذكية‭ ‬لتتبع‭ ‬تنفيذ‭ ‬الالتزامات‭ ‬الدولية‭ ‬وقياس‭ ‬أثرها‭.‬

3- ‬توسيع‭ ‬شبكات‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬الآليات‭ ‬الوطنية‭ ‬والمنظمات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

4- ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬والخبرة‭ ‬الحقوقية‭ ‬وتبادلها،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬حضور‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬المبادرات‭ ‬الدولية‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬المغربية‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الهادئ،‭ ‬عندما‭ ‬يقترن‭ ‬برؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬وإرادة‭ ‬مؤسساتية،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬مستدامة‭. ‬وبعد‭ ‬عشرين‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬الانخراط‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الأممية،‭ ‬أصبح‭ ‬المغرب‭ ‬يمتلك‭ ‬رصيداً‭ ‬من‭ ‬المصداقية‭ ‬والخبرة‭ ‬يؤهله‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬مرجعاً‭ ‬إقليمياً‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وأن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الرصيد‭ ‬رافعة‭ ‬جديدة‭ ‬لدبلوماسيته،‭ ‬وشراكاته،‭ ‬وإشعاعه‭ ‬الدولي‭. ‬فهذه‭ ‬التجربة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تمثل‭ ‬قصة‭ ‬نجاح‭ ‬وطنية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬نموذجاً‭ ‬صاعداً‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون،‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬ركيزة‭ ‬للإصلاح‭ ‬الداخلي،‭ ‬وجسراً‭ ‬للتعاون‭ ‬الدولي،‭ ‬وأحد‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬للدول‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬