شكل الانقطاع الشامل للتيار الكهربائي الذي ضرب مساحات واسعة من الجزائر ليلة الرابع عشر من يوليوز 2026، اختباراً حقيقياً لمصداقية الخطاب الرسمي، حيث وجدت السلطات نفسها في مواجهة مباشرة مع غضب شعبي واسع، أذكى حدته ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.
وفي وقت كانت فيه مدن بأكملها، لا سيما في الشرق الجزائري، تغرق في ظلام دامس وسط أجواء لاهبة، سارعت الآلة الإعلامية الرسمية إلى محاولة تطويق الحدث، ليس عبر الاعتراف بخلل البنية التحتية، بل من خلال صياغة سردية تحاول تقديم هذا الشلل الخدماتي كـ "إنجاز" أو "إجراء احترازي" ينم عن حنكة تقنية في إدارة الأزمات، في محاولة بائسة لتحويل الفشل إلى انتصار.
لقد تضاربت التصريحات الرسمية بشكل أثار حفيظة المتابعين، حيث تراوحت بين تحميل المواطن مسؤولية "الإسراف" في الاستهلاك، وبين ادعاءات وزير الطاقة بأن المنظومة الكهربائية الجزائرية تعد الأفضل في القارة، وصولاً إلى توصيف الوزير الأول للحادثة بأنها "تمرين مصغر" لقياس كفاءة الشبكة.
هذه المحاولات لـ "تجميل" الواقع لم تكن سوى محرك إضافي لحالة من الاحتقان الشعبي، حيث قوبلت هذه التبريرات بموجة عارمة من السخرية السوداء على منصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى منصة لمحاكمة هذا الخطاب، بعد أن وجد المواطنون أنفسهم يبيتون في الحدائق والشوارع هرباً من حرارة المنازل التي توقفت فيها أجهزة التبريد.
وفي قراءة ميدانية للأزمة، يرى مراقبون أن العطل الفني في بسكرة لم يكن سوى "القطرة التي أفاضت الكأس"، كاشفاً عن ترهل هيكلي أعمق يعود إلى عقود من ضعف الاستثمار في صيانة الشبكات، وسياسات الاستيراد المقيدة التي أدت إلى نقص حاد في قطع الغيار الأساسية.
وبينما يصر الإعلام الموالي على تصوير الانقطاع كإجراء روتيني لحماية الشبكة، يشير خبراء إلى أن غياب التخطيط المستقبلي والاعتماد المفرط على نمط طاقي متقادم جعلا الشبكة الوطنية هشة أمام أبسط التحديات المناخية، مما يجعل التهديد بتكرار سيناريو الظلام أمراً وارداً ما لم يتم الانتقال من مرحلة "التبريرات الإعلامية" إلى مرحلة الإصلاح الجذري.
ولقد نجحت السخرية الشعبية في اختزال المشهد؛ فالمفارقة بين وعود النظام بتصدير الطاقة إلى أوروبا وبين واقع العجز عن توفير "الإنارة" للمواطن في عقر داره، جعلت من الوعود الرسمية مادة للتهكم اللاذع.
كما أثبتت هذه الواقعة أن المحاولات المستمرة لتزييف الحقائق عبر الأبواق الإعلامية لم تعد قادرة على احتواء التناقض الصارخ بين وعود "القوة الطاقية" وواقع يعيد الجزائريين إلى عصور ما قبل الكهرباء، حيث أصبحت الشموع والبحث عن نسمات الهواء في الشوارع هي العناوين الأبرز لصيف 2026 في الجزائر.






