سياسة واقتصاد

كيف يفكر "الطريق الرابع" في الدولة في زمن التحديات والتحولات؟

المصطفى المريزق (فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع)

هذا مجرد جواب مختصر عن سؤال واحد من بين عشرات الأسئلة التي أتلقاها من أصدقاء وفاعلين يرغبون في فهم رؤية "الطريق الرابع"، أو يتساءلون عن أسباب الانخراط في ديناميته. وأود منذ البداية أن أوضح أن غايتنا ليست إقناع أحد، فالأفكار لا تُفرض، وإنما تُناقش وتُختبر بقدرتها على تفسير الواقع واستشراف المستقبل. إن ما ندافع عنه هو رؤية تسعى إلى قراءة واقعية ونقدية للتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يعيشها المغرب والعالم.

ينطلق "الطريق الرابع" من سؤال جوهري: كيف ينبغي التفكير في الدولة في زمن التحولات الكبرى؟

لقد قدمت الدولة الحديثة نفسها، عبر تاريخها، باعتبارها الإطار الأكثر عقلانية لتنظيم المجتمع، والفاعل المركزي القادر على ضمان الأمن والعدالة والتنمية والاندماج الاجتماعي. غير أن التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة أظهرت أن الدولة لم تعد الفاعل الوحيد ولا المتحكم المطلق في مسارات المجتمع. فهي تقود، لكنها تُقاد أيضًا؛ وتُنظم الاقتصاد، لكنها تخضع في الوقت نفسه لضغوط الأسواق المالية، والشركات متعددة الجنسيات، والتحولات التكنولوجية، وسلاسل الإنتاج العالمية، والتوازنات الجيوسياسية الجديدة.

ولذلك، فإن الدولة المعاصرة تعيش مفارقة عميقة. فمن جهة، لا يزال المواطن يطالبها بالحماية الاجتماعية، وضمان الخدمات الأساسية، وتقليص الفوارق، وانقاد الحاسية السفلى، وحماية السيادة الوطنية. ومن جهة أخرى، تجد نفسها مطالبة بالتكيف مع منطق اقتصادي عالمي يقوم على التنافسية، وتقليص الإنفاق العمومي، وجذب الاستثمار، وتعزيز الفعالية الاقتصادية. إنها تتحرك باستمرار بين منطق الحقوق ومنطق السوق، وبين مقتضيات العدالة الاجتماعية وإكراهات العولمة.

ومن هنا، فإن "الطريق الرابع" لا ينطلق من الدفاع عن الدولة أو مهاجمتها، بل من إعادة التفكير في وظائفها وحدودها وأدوارها الجديدة. فالدولة لم تعد مجرد جهاز إداري أو سلطة سياسية، بل أصبحت فضاءً للتنسيق بين قوى متعددة، ووسيطًا بين المصالح المختلفة، وضامنًا للتوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

كما أن "الطريق الرابع" يرفض الثنائية التقليدية التي تختزل الاختيار بين دولة متحكمة تهيمن على كل شيء، ودولة منسحبة تترك المجتمع لقوى السوق وحدها. فالمستقبل، في نظرنا، يقتضي بناء دولة قوية بمؤسساتها، لا بتغولها؛ ودولة عادلة في سياساتها، لا في شعاراتها؛ ودولة قادرة على الاستثمار في الإنسان، لا الاكتفاء بتدبير الأزمات.

إن التحدي الحقيقي لم يعد هو حجم الدولة، بل جودة الدولة؛ ولم يعد هو كثرة تدخلها، بل نجاعة تدخلها؛ ولم يعد هو احتكارها للقرار، بل قدرتها على إشراك المجتمع في إنتاج القرار العمومي.

لذلك، فإن "الطريق الرابع" يدعو إلى الانتقال من دولة تدير المجتمع إلى دولة تبني الثقة معه، ومن دولة تكتفي بتدبير الاختلالات إلى دولة تستثمر في المستقبل، وتعتبر الإنسان، والمعرفة، والابتكار، والكرامة، أساسًا لأي مشروع تنموي أو ديمقراطي.