منتخب مغاربة العالم...
تنبه بعض "الفهماء" العرب والأجانب، ممن يصعب عليهم ان يتقبلوا فكرة تمكن بلد ما من كسر السقف الزجاجي المفروض في الطريق الى قمة كرة القدم العالمية، الى ان انجازات المغرب الكروية انما تعود الى شتاته العالمي، ولا فضل للداخل الكروي المغربي فيها، بما يعني ان المغرب لا يزيد عن قطف الثمار الناضجة التي نبتت في بساتين الغير، ولا حق له في ادعاء تفوق كروي مسروق او مزعوم.
ويشعر بعض المغاربة بالاحباط فعلا، امام قوة هذه الحجة، ولا يجدون ما يقارعون به هؤلاء "الفهماء". وحين ارى او اسمع الردود التي يقدمها المعلقون المغاربة ردا على هذه التسديدة، ألاحظ خصاصا واضحا في تحليل السياسات العمومية، لدى معلقينا في الشأن الرياضي، الذين نراهم يوشكون أن يحلفوا بالأيمان المغلظة ان ما انجزه المغرب في كرة القدم، يعود الى مخرجات المناظرة الوطنية حول الرياضة التي انعقدت بمدينة الصخيرات سنة 2008. وهم بذلك يسعون الى البرهنة على ان الصحوة الكروية المغربية التي يراها العالم هي نتاج تخطيط رياضي محكم.
والواقع ان هذا الربط بين منجزات كرة القدم وبين المناظرة وحدها، يقوم حجة ضد هؤلاء المعلقين، وليس لصالحهم. فمناظرة 2008 ليست خاصة بكرة القدم، لكي ننسب لها وحدها منجزات المغرب الكروية على الصعيد الدولي. اذا كانت المناظرة هي الاصل، فما الذي جعل كرة القدم وحدها هي التي حققت قفزة واضحة واستفادت من مخرجاتها؟ اين قفزات بقية الرياضات؟ لماذا لم تتحقق بنفس الانطلاقة ونفس النتائج؟
الامر اذن، بخصوص كرة القدم، يتجاوز مناظرة الصخيرات، او لنقل، ان المناظرة لم تشكل فيه سوى حلقة من الحلقات.
علينا ان نتذكر ان شؤون مغاربة العالم، شكلت على الدوام جزءا صريحا من السياسات العمومية، مع تفاوت في المحتوى والاهداف على مدى سنوات الاستقلال. وأذكر أن هذا المحور كان حاضرا في دروس الجغرافيا التي كنا نتلقاها في سبعينيات القرن الماضي.
ومنذ سنة 2000 على الاقل، صار تعزيز اواصر العلاقة بين مغاربة العالم وأرض اجدادهم محورا بارزا في هذه السياسات. وفي 2007 أحدث مجلس الجالية المغربية بالخارج، وأسندت رئاسته الى واحد من ابرز النشطاء الحقوقيين المغاربة الذين كانوا منفيين خلال سنوات الرصاص. وفي ذلك مؤشر على تحول عميق الدلالة والامتداد. وهنا لا بأس ان أحكي واقعة تلقي مزيدا من الضوء على هذا التحول. ففي مساء نفس اليوم الذي توفي فيه الملك الحسن الثاني، ومباشرة بعد الاعلان الرسمي عن الوفاة، بادرت قناة TV5 الفرنسية (لم تكن فرانس 24 قد ظهرت بعد) الى عقد برنامج خاص بالحدث، دعت للمشاركة فيه شخصيات مغربية من الداخل، ومعارضين مغاربة منفيين في اوروبا. ومن ابرز من حضروا في هذا البرنامج اذكر الصحفي حميد برادة الذي طلب منه المنشط ان يعلق كمعارض منفي على وفاة الملك، فكان جوابه كما اذكر: "هذا المساء المغرب في حزن.. فقد مات ملك يحظى بتقدير كبير من شعبه، والوقت الآن للترحم وللعزاء ولاحترام حزن الشعب المغربي، وليس للمناوشة السياسية". ويبدو انه لم يكن هذا هو الجواب الذي تمناه الصحفي المنشط. هذه الحادثة الاعلامية ذات دلالة عميقة في مجرى ما حصل لاحقا في مجمل سياسة مغاربة العالم من تحولات. لقد تم العمل على تصفير عداد مغاربة المنفى، وأشهر من عادوا الى الوطن في تلك الفترة المناضل ابرهام السرفاتي، وحميد برادة نفسه. وبدأ الإعداد لإعادة رسم محتوى جديد لعلاقة المغرب بمهاجريه في ارجاء العالم. وهنا يأتي دور كرة القدم.
لقد شكل الفريق الوطني الذي كونه بادو الزاكي سنة 2003 وخاض به بطولة افريقيا التي استضافتها تونس سنة 2004 نقطة تحول بارزة في الدور الذي اسند لكرة القدم في سياسة ادماج مغاربة العالم في انتمائهم المغربي. كان هناك طبعا انفتاح على مهارات مغاربة العالم قبل 2003، لكن ذلك كان انفتاحا تقنيا ومحدودا من النوع المألوف بشكل عام لدى اتحادات الكرة المغاربية في الاستعانة ببعض المحترفين الذين ينتقلون الى الدوريات الاوروبية بعد ان يتألقوا في البطولات الوطنية، مع انفتاح محتشم على بعض المواهب من أبناء المهاجرين. ولم يكن هذا الانفتاح يثير اي نقاش في الاوساط الرياضية، باستثناء بعض الانتقادات التقنية. لكن مع منتخب الزاكي اختلف الامر واحتل المكون المنحدر من مغاربة العالم حيزا كبير في ردود الفعل لدى اوساط التقنيين والصحفيين الرياضيين المغاربة. ولعل متتبعي الشأن الكروي الذين عايشوا هذه الفترة، يتذكرون فحوى النقاشات التحليلية التي كانت تعرفها البرامج الرياضية المواكبة لنشاطات المنتخب، في الفترة من 2004 الى 2007، حيث كان الصحفيون والتقنيون، يركزون على ثنائية لاعب البطولة الوطنية ولاعب الجالية، ويلحون على ان الاعتماد على اللاعب القادم من اوروبا في تشكيل المنتخب الوطني سوف يضعف البطولة الوطنية ويقتل حماس اللاعب الوطني الذي قد لا يرى أفقا لانضمامه الى المنتخب. وكم رأينا من رسوم كاريكاتورية تسخر من اللاعبين المغاربة القادمين من المهجر، بدعوى أنهم يتكلمون لغات مختلفة ولا يتمكنون من التواصل بينهم بسهولة مما يحد من الانسجام المطلوب اثناء اللعب، ولا يرددون النشيد الوطني، ويتم تصويرهم على أنهم يتعارفون فقط اثناء التقاط صورة ما قبل المباراة، وغير ذلك من القفشات التي تبدو اليوم سمجة.
وفجأة اختفى هذا النقاش كأنه لم يسبق أن كان.
وبالموازاة مع ذلك كان المجتمع المغربي عموما ينظر الى مهاجريه نظرة امتعاض وتبرم. ولا داعي للتذكير بالالقاب والنعوت التي كانت تطلق عليهم، خلال موسم العودة الصيفية.
وبين عشية وضحاها تحول الخطاب الرسمي جذريا، وتبعه الخطاب الاعلامي، ثم خطاب المجتمع. واتخذت اجراءات ملموسة وفعالة، في مختلف القطاعات، لرسملة رصيد الهجرة المغربية. احدثت عملية "مرحبا" ، لتأطير وهيكلة عودة المهاجرين الصيفية، بشكل حولها تدريجيا الى إحدى اكبر الحركات الديمغرافية الموسمية في العالم بين قارتين، ان لم تكن الأكبر على الاطلاق. وأحدث اليوم الوطني للمهاجر، وتم تثبيت قطاع مغاربة العالم كقطاع حكومي دائم في كل الحكومات.
اسند لكرة القدم، من خلال المنتخب الوطني الأول، ثم المنتخبات السنية ذكورا وإناثا، دور مدروس في تقوية أواصر الانتماء بين مختلف أجيال الجالية وأرض الوطن. واليوم، وبفضل المنتخب الوطني، تشابكت الجالية المغربية في مختلف البلدان، والتفت أسر اللاعبين حول المنتخب، وذاب مغاربة العالم في انتمائهم وتشجيعهم لمنتخب بلدهم الأصل. وهذا عنوان نجاح واحدة من السياسات العمومية المندمجة.
الوجه الآخر لتألق المنتخب الوطني، هو الامتداد السوسيولوجي للاعبين. معظم هؤلاء اللاعبين ينتمون الى اسر تمكنت، رغم انتمائها الى اوساط متواضعة، من الحفاظ على نواة الاسرة او على الاقل رعاية الابناء وتوجيههم الى أندية التكوين الرياضي، والحرص على التربية القيمية وتقاليد الثقافة المغربية، في المأكل والملبس والمناسبات الدينية والاجتماعية. وهكذا لم يكن نجاح وتألق لاعبي الجالية المغربية، وهو الأكثر والأبرز بين جاليات افريقيا الشمالية، نتاج مصادفة. بل جاء ثمرة لهذا التفاعل المتبادل مع سياسات الوطن تجاه المهاجرين.
في تقديرنا ان هذا التضافر بين سياسات عمومية مندمجة للمهاجرين، والتخطيط الرياضي الواضح الاهداف، والعمق الثقافي للأسرة المغربية المهاجرة، هو الذي صنع معجزة المغرب الحالية. وقد سميتها معجزة لسبب بدهي: ان دول شمال افريقيا عجزت عن تحقيق الشيء نفسه برغم وجود تربة مشابهة من الناحية الديمغرافية، لكنها تفتقر الى سياسة مشابهة تجعل كرة القدم عنصرا محوريا في دولابها.
بقي ان نشير الى ان الدستور المغربي يجعل الهجرة جزءا من مكونات المواطنة، والمهاجر المغربي مواطنا كامل المواطنة، ولا يحق لأي محلل اجنبي ان يبخسه هذا الانتماء او ان يبخسنا فيه.
لاعبو المغرب مزدوجو الجنسية، عنوان نجاح جهود متضافرة لاستعادة واحدة من ثروات البلاد البشرية التي استنزفتها سنوات الاستعمار وما بعده. واذا كنا لم نتمكن بعد من استعادة كل ثرواتنا ولا سيما الفكرية منها، فحسبنا ان كرة القدم مكنتنا من كسر ربقة التبعية التي بلا حدود. على الاقل صار بإمكاننا ان نثق في امكانية الانعتاق بدون مركب نقص. وعلينا الان ان نحول هذه الثقة الى قيم ثقافية في العمل المخلص والاتقان والتفاني في خدمة الانتماء المشترك.
إن منتخب المغرب المتعدد الثقافات والانتماءات، لا يستقيم ان ينظر اليه على انه وصمة في جبين الكرة المغربية، بل يجدر بمن يهمز ويلمز في تعدد انتمائه، ان يستوعب القيمة المثلى التي يضيفها لكرة القدم العالمية باعتباره نموذجا حيا للعبقرية البشرية حين تنصهر في قدرها الأمثل: الإنسان في فرادته وانتمائه المتعدد بطبعه.






