مجتمع وحوداث

حين عجزوا عن مجاراة نجاحاتنا.. مزقوا علمنا الأممي

يوسف غريب (كاتب صحفي)
في زاوية معتمة من زوايا باريس.. حدث شيء لا يبدو معزولاً.. ولا يمكن أن يمر كأي حادثة عابرة في يوميات العاصمة الفرنسية.

شخصان مأجوران.. اختارا زقاقاً خلفياً بعيداً عن الساحات الكبرى التي تصنع فيها الأمم تاريخها ليعلنا عن عجزهما أمام العالم عندما تعجز الكراهية عن مقارعة النجاح لا تجد أمامها سوى قطعة قماش لتفرغ فيها كل هذا الإحباط والغل هناك..

وسط بيئة ضيقة لا تليق إلا بالأقزام أقدم شخصان على تمزيق العلم المغربي ثم التفتوا بجبن ليوجهوا وابلاً من السب والشتائم لمغاربة كانوا يحتفلون بإنجاز رياضي مشهود يكرس حضور المغرب بين كبار كرة القدم العالمية في مونديال أمريكا.

والفارق كبير.. بين من يبني ومن يهدم.

الأول يصنع ذاكرة حية بينما الثاني لا يصنع سوى محاضر في مخافر الشرطة وهذا ما وقع بالفعل هذا الصباح حيث أقدمت السفارة المغربية في باريس على رفع دعوى قضائية حازمة ذات صلة بهذا الفعل البئيس تاركة للقضاء الفرنسي وحده مهمة تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار العقابية القانونية.

ولم يكن لينقضي الصباح حتى بدأت خيوط اللعبة تتكشف لتضع النقاط فوق الحروف المبعثرة إذ سرعان ما دخلت على الخط معطيات أمنية مؤكدة لتزيح الستار عن المشهد الخلفي..

والتحريات الأولية جاءت لتكشف تفاصيل دقيقة تفضح المحرك الأساسي لهذين الأجلفين أحدهما بائع السجائر المهربة بالزقاق معروفان في أوساط المغتربين بأنهما يدوران في فلك القنصلية الجزائرية ويتلقيان التعليمات من هناك.

والسؤال هنا يتجاوز الأشخاص: لماذا يتحول العلم المغربي، مع كل نجاح تحققه المملكة إلى هدف لسهام الكراهية من طرف عجزة العسكر بالمرادية..؟

الجواب ليس في قطعة القماش.. بل في الرمزية الهائلة التي بات يحملها هذا العلم منذ الإنجاز التاريخي في مونديال قطر وصولا إلى الملحمة الحالية في كأس العالم بأمريكا لم يعد العلم المغربي مجرد راية وطنية حدودية.. لقد أصبح علماً أممياً. رفعته عواصم عربية وإفريقية وأوروبية وحمله ناس لا يتحدثون العربية ولا يحملون الجنسية المغربية

حملوه إعجاباً بقصة نجاح إنسانية ملهمة.

وحين أتأمل هذا السلوك أدرك تماماً أن هذه الحماقات لا تولد من فراغ..بل الثمرة المرة لبروباغندا الشحن الإعلامي الممنهج التي يبثها أحفاد المقبور هواري بومدين والذين كلما عجزوا عن مجاراة الدبلوماسية المغربية الهادئة والمؤثرة تنموياً ورياضيا أصابتهم حالة من الاستلاب والنقص..

وحين تفشل السياسة لا يتبقى للعاجز سوى مقص رخيص على رصيف باريسي بائس.

فمن يظن أنه يمزق علماً.. إنما يعلن للدنيا أنه عاجز عن تمزيق الفكرة التي يمثلها هذا العلم.

لأن التاريخ علمنا أن الرايات لا تُقاس بقوة خيوطها بل بما تختزنه من كرامة في قلوب البشر.

الرايات التي تسقط هي تلك التي تفقد احترام العالم أما الرايات التي تلتف حولها القلوب فلا تنال منها يد غاضبة ولا مقص حاقد.

والمفارقة المضحكة.. أن الفيديو الذي أرادوا له أن يكون إهانة للمغرب تحول خلال ساعات إلى صفعة مرتدة أثار موجة استنكار عالمي وأثبت للجميع أن استهداف الرموز الوطنية بهذا الشكل يعكس تعصباً مقلقاً ومرض مزمن شل مفاصل هذه الدولة المارقة

ما أجمل هذه الواقعة.. لقد أعادت تذكيري بحقيقة أزلية: يمكن لأي عاجز أن يمزق قطعة قماش لكنه أبداً لن يمزق الاحترام والمهابة التي اكتسبتها أمة في وجدان العالم.

فالأعلام لا تعيش فوق السواري الحديدية فحسب.. بل تعيش أولاً في ضمائر الشعوب.. وهناك تحديداً يستحيل تمزيقها.