لطالما شكل أسود الأطلس رمزا للإصرار والانتماء، ووراء كل أسد أم ربت وربتت، ودعت وانتظرت، وأن كل الصور قبلا بمونديال قطر، وصور الأمس كذلك، والاستقبال الملكي السامي الذي خصهن به جلالة الملك، كلها صور وطن كامل يحتضن أمهاته، ويعترف بأنهن الشريكات الحقيقيات في صناعة المجد، وأن الرسالة التي يجب اقتفاء أثرها بعناية، ألا ننسى من حملنا حين كنا عاجزين عن الوقوف، ولا من صدق أحلامنا حين كان الآخرون يشككون فيها.
لم أجد حرجا يوما في التعبير عن ضعفي أمام الأمهات، أنا الابنة المكلومة في أمها، والأم الصابرة المحتسبة في ابتلائها، حتى طالعت صورة لأم مغربية تشي دموعها وتجاعيدها بمحطات رحلة الشقاء التي تختزن الكثير، نشهد جميعا من خلالها، للحظة إنسانية تختصر سنوات من التعب والصبر والدمع، لحظة يذوب فيها صخب الملاعب وهتافات الجماهير أمام دموع أم أدركت أن كل ليلة سهر، وكل خوف، وكل تضحية، لم تذهب سدى، في لحظة اعتراف ناطقة بأن الأبطال لا ينجحون اعتباطا، وإنما برضى الأمهات.
إسماعيل الصيباري لم يصل إلى قمة كرة القدم بضربة حظ، ولم يصنع اسمه عن طريق الصدفة، إنه ابن رحلة ألم طويلة، بدأت بطفل يحمل حلما أكبر من عمره وحتى من شبح الإعاقة الذي طارده بسبب التقوس الحاد الذي عانى منه بقدميه، إذ ترعرع وسط أسرة مهاجرة آمنت به رغم صعوبة الطريق، حيث عاشت والدته معه ألم البدايات، بين المستشفيات والمدرجات، ترقب طفلها الذي يقاتل لأجل المشي والشغف بالكرة على حد السواء.
كبر إسماعيل، وكبر معه الحلم، حتى أصبح واحدا من أبناء المنتخب المغربي الذين يخطون ملاحم جديدة لكرة القدم الوطنية، لم يعد ذلك الطفل الذي يبحث عن فرصة لإثبات نفسه وتجاوز الصعاب التي طاردته، اليوم صار مقاتلا فوق المستطيل الأخضر، يراوغ، ويتقدم، ويقدم كل ما يملك من أجل أن يبقى العلم المغربي عاليا مرفرفا بين الأمم، ومع كل إنجاز يحققه، كانت هناك هذه الأم، تتابع بغريزتها قبل عينيها، وتدعو له أكثر مما تتحدث عنه.
هذه الصورة علمتني درسا عميقا: الأمهات هن روشتة العلاج السحرية ووصفته الكيميائية، وهن طريق النجاح المعبد، وأن أم الصيباري بوصلة كل أم تعاني في صمت ليشق أطفالها الطريق رغم المرض أو الاختلاف، رغم أن النجاح يفترض فيه أن يكون ثمرة جهد جماعي يبدأ من الأسرة. فكم من أم أخفت دموعها وكبحت سيلها الجارف حتى لا تضعف عزيمة ابنائها؟ لذلك فإن أجمل ما في انتصارات المنتخب المغربي أنها تعيد الاعتبار لهذه الوجوه المخفية من تفاصيل الحكاية، التي بقيت بهيدا خلف الستار، ولم تطلب يوما تصفيقا أو شهرة.
سلام على كل أم صنعت بطلا في صمت، وسلام على كل دمعة كانت وقود رحلة صعبة، وسلام على إسماعيل الصيباري الذي ذكرنا بأن أعظم النياشين تلك التي تعلق في أحضان الأمهات بدل الميداليات التي تعلق على الصدور، لأن حضن الأم أثمن من الذهب أو البرونز، وأن وراء كل بطل عظيم أم أعظم، صنعت بالمحبة والصبر والدمع الدافق ما عجزت عنه كل مدارس الحياة.






