حين امتلأت مدرجات ملعب الأمير مولاي عبد الله بعشرات الآلاف من الشباب في حفل للمغني المغربي طوطو ، انشغل كثيرون بالكلمات واللباس والحركات وبالجدل والذي رافق الحفل. أما السؤال الذي استوقفني فكان مختلفا،ماذا لو كان هذا الحشد في تجمع انتخابي استعدادا لانتخابات 23 شتنبر ؟
قد يبدو الربط بين حفل فني والسياسة متعسفا، لكنه يلامس واحدة من أعمق الإشكالات التي تواجه الديمقراطيات المعاصرة،من يملك اليوم القدرة على التعبئة؟ ومن يصنع الثقة؟ ومن يمثل الشباب في الفضاء العام؟
لقد قامت الديمقراطية التمثيلية على وجود مؤسسات وسيطة بين الدولة والمجتمع. ولم تكن الأحزاب مجرد آلات انتخابية تبحث عن الأصوات، بل فضاءات للتنشئة السياسية، وإنتاج النخب، وتأطير المواطنين، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات عمومية. وكانت النقابات والجمعيات والصحافة تشكل، إلى جانبها، شبكة من الوسائط التي تمنح المجتمع توازنه، وتؤسس لرصيد من الثقة يجعل المشاركة السياسية ممارسة طبيعية.
لكن هذا النموذج يعرف اليوم تراجعا ملحوظا. فقد أصبحت الأحزاب، في كثير من الديمقراطيات، ما بالك عندنا ،تفقد تدريجيا احتكارها للتأثير، بينما صعدت قوى جديدة قادرة على استقطاب الشباب وصناعة الانتماء ؛الفن، والرياضة، والمنصات الرقمية، والمؤثرون. صحيح إنها لا تمتلك شرعية انتخابية، لكنها تمتلك شرعية رمزية لا يمكن تجاهلها.
ومن هذه الزاوية، يصبح حفل طوطو أكثر من مجرد نجاح فني. فهو يكشف أن آلاف الشباب مستعدون لدفع ثمن التذكرة من جيوبهم الخاصة، والسفر والانتظار ساعات، ليكونوا جزءا من حدث يشعرون أنه يمثلهم. وفي المقابل، تجد الأحزاب صعوبة في استقطاب الفئة نفسها إلى تجمعات مجانية، رغم ما يبذل فيها من جهد تنظيمي، بل وما يثار أحيانا حول توفير وسائل النقل والنقد أو أشكال مختلفة من التحفيز لضمان الحضور.
ليست هذه مقارنة بين الفن والسياسة، وإنما بين نموذجين مختلفين في القدرة على التعبئة.
لقد كانت الأحزاب، لعقود طويلة، تنتج "الرأس المال الاجتماعي”، أي ذلك الرصيد من الثقة والانتماء والعمل الجماعي الذي يمنح الديمقراطية معناها اليومي. لكن حين تتراجع قدرة هذه المؤسسات على أداء وظيفتها، لا يختفي احتياج الأفراد إلى الانتماء، بل ينتقل إلى فضاءات أخرى. والسؤال الذي يطرحه حفل طوطو ، في جوهره، ليس سؤالا موسيقيا، بل سؤالا يتعلق بمستقبل الثقة داخل المجتمع.
ومن هنا، فإن النقاش حول العزوف الانتخابي لا ينبغي أن يقتصر على نسب المشاركة أو القوانين الانتخابية، لأن هذه تعالج النتائج أكثر مما تفسر الأسباب. أما السؤال الحقيقي فهو كيف يمكن للديمقراطية أن تحافظ على حيويتها إذا فقدت مؤسساتها الوسيطة قدرتها على الإقناع والتأطير؟ فالديمقراطية لا تقوم على صناديق الاقتراع وحدها، بل على الثقة التي تدفع المواطن إلى الاعتقاد بأن مشاركته مازالت ذات معنى .
وبين ما يقال وما لا يقال… لم يكن أهم ما كشفه حفل طوطو هو حجم الجمهور الذي حضر، بل السؤال الذي تركه معلقا هو من يمثل الشباب اليوم، ومن يستعيد ثقتهم في السياسة؟
في انتظار ذلك هل سيكون طوطو الرئيس المقبل للحكومة ؟






