فقرار الحكومة المتعلق بإعفاء معاشات التقاعد من الضريبة على الدخل، والذي سوّقته الحكومة ــ ولازالت ــ كإنجاز اجتماعي بارز، لم يكن في جوهره سوى معالجة جزئية عديمة الأثر الواقعي. فالحقيقة الرقمية تكشف أن 96% من المتقاعدين كانوا معفيين أصلاً من هذه الضريبة بحكم ضعف معاشاتهم وعدم بلوغها السقف الخاضع للاقتطاع؛ مما يجعل الإشادة بهذا الإجراء سخريةً من واقع فئة تعاني الهشاشة. ونتيجة لذلك، فإن الفئة التي استفادت فعلياً من هذا "المكسب" أقل من 4% من مجموع المتقاعدين، وهم غالباً أصحاب "المعاشات السمينة"، بينما لم يلمس السواد الأعظم من المتقاعدين أي تحسن في قدرتهم الشرائية.
ولا يتوقف تهافت الخطاب الحكومي عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل لتبني الزيادة التي أقرها مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بنسبة 5%، بحد أدنى 100 درهم وبسقف أقصى لا يتجاوز 210 دراهم. والتي جاءت بعد جمود لهذا الصندوق لأكثر من ثمانية عشر عاماً، قوبلت في البداية بترحيب مشوب بالحذر خاصة بعد صرفها بأثر رجعي منذ يناير 2020، إلا أن القراءة الموضوعية تضعها في حجمها الحقيقي؛ فهي زيادة تظل عاجزة تماماً عن تعويض التآكل الهائل في القدرة الشرائية الذي خلفته موجات التضخم المتصاعدة خلال عقدين من الزمن، حيث ارتفعت أسعار المواد الأساسية والخدمات بشكل مخيف أفرغ أي زيادة طفيفة من مضمونها.
وبالموازاة مع ذلك، ورغم أن هذه الإجراءات وغيرها كالمتعلقة بإمكانية استرجاع الاشتراكات المنخرطين في هذا الصندوق،مع خفض شرط الاستفادة من معاش الشيخوخة من 3240 يوماً إلى 1320 يوماً، تُعد خطوات إيجابية من الناحية التقنية، إلا أنها تظل قاصرة عن ملامسة جوهر الأزمة المتمثل في ضعف المعاشات وتدهور ظروف العيش. والأسوأ من ذلك، هو أن الزيادة الأخيرة لم تشمل كافة المتقاعدين، بل أقصت شريحة واسعة ممن أحيلوا على التقاعد قبل التاريخ المحدد للاستفادة، مما ولد شعوراً حاداً بالتمييز والحيف، وكرس حالة من عدم الإنصاف بين فئات يفترض أنها متساوية في الحقوق والواجبات، ليتحول هذا الإجراء – بدل أن يكون آلية لجبر الضرر الاجتماعي – إلى عامل تعميق للفرقة بين المتقاعدين.
الأمر الذي دفعت هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب إلى اعتبار الإجراءات الحكومية اللأخيرة التفافاً على جوهر المشكلة، لأن الأزمة الحقيقية تتعلق بضعف المعاشات وجمودها لعقود طويلة، في وقت تتسارع فيه وتيرة التضخم وترتفع أسعار المواد الأساسية والخدمات بشكل مستمر. لذلك فإن مطلب الزيادة الفورية في المعاشات، والرفع من الحد الأدنى لها بما يضمن الكرامة، وربطها بكلفة المعيشة، وفصلها عن ملف إصلاح أنظمة التقاعد، يظل في صلب المطالب التي ترفعها هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب باعتباره المدخل الحقيقي لتحقيق العدالة الاجتماعية لفائدة المتقاعدين.
ولم تكتفي الحكومة بتهميش وإقصاء هذه الفئة، بل تجلت رغبتها مؤخرا في سعيها لضرب القرارات التي تسعى إلى تبسيط شروط استفادة الأرامل من معاشات أزواجهن المتوفين عبر الاكتفاء بصحة عقد الزواج دون اشتراط مدة زمنية محددة قبل الوفاة، والذي يرمي إلى تعديل الفصل 32 من القانون رقم 011.71 المتعلق بنظام المعاشات المدنية، حيث قامت بإسقاطه والتصويت ضده، خلال الجلسة العامة لمجلس المستشارين، بالرغم أن المقترح يلامس جوهر الحماية الاجتماعية. وهذا التصرف يعكس المزيد من التراجع الحكومي عن مبادئ الإنصاف الاجتماعي.
كما أن هذا التردد الحكومي، الذي لم يقتصر على الملفات الفردية، بل انسحب على جوهر أزمة التقاعد، يتجلى بوضوح في إعلان وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح علوي، طي صفحة إصلاح نظام التقاعد خلال هذه الولاية التشريعية، وترحيل الملف إلى الحكومة المقبلة. حيث أكدت، خلال جلسة الأسئلة الشفوية، عجز الحكومة عن حل هذا الملف المعقد، مشيرة إلى أن اللجنة التقنية اختتمت اجتماعاتها دون الوصول إلى مخرج حاسم، ومعلقةً الآمال على "اتفاق جماعي" مع النقابات. هذا الترحيل يكرس سياسة "ربح الوقت" وتأجيل الاستجابة للمطالب الملحة، تحت غطاء التوافق الذي أصبح، في نظر المتقاعدين، ذريعة لتجميد الإصلاح. واختزال ملف المتقاعدين في إجراءات تقنية هزيلة مع رفض المقترحات الاجتماعية، والتي تعكس استمرار الحكومة في نهج إدارة الأزمة بدلاً من حلها. فالمتقاعد، الذي أفنى عمره في بناء الوطن، يجد نفسه اليوم ضحية لـ "منطق محاسباتي" يرى في حقوقه مجرد أرقام قابلة للتأجيل، في حين يواجه "تضخماً مزدوجاً" بين غلاء المعيشة وتفاقم التكاليف الصحية.
ولا تقف مطالب هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب عند حدود تحسين الدخل، بل تمتد إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لأنظمة التقاعد، وإقرار منظومة أكثر عدالة ودينامية، وإشراك المتقاعدين في الحوار الاجتماعي، وتمكينهم من تمثيلية حقيقية داخل المؤسسات التي تتخذ القرارات المتعلقة بمصيرهم. كما تطالب الهيئة بإرساء حكامة شفافة داخل صناديق التقاعد وإحداث مؤسسة رسمية تعنى بقضايا المتقاعدين وذوي الحقوق، بما يضمن حضور هذه الفئة في السياسات العمومية بدل بقائها على هامش الاهتمام السياسي.
إن ما يثير الانتباه هو ازدواجية المعايير التي تطبع تعامل الحكومة مع هذا الملف. فعندما يتعلق الأمر بتحسين أوضاع المتقاعدين، يُستحضر خطاب الكلفة المالية وصعوبة التوازنات الميزانياتية، وتُرفع شعارات الحذر المالي والاستدامة. في المقابل، تظهر جرأة سياسية ومالية لافتة عند دعم قطاعات أخرى يستفيد منها "المقربون عائلياً أو تنظيمياً أو من الكائنات الانتخابية والأعيان". ( فراقشية المرحلة الأخنوشية )هذا التمييز يطرح تساؤلات جدية حول مفهوم "الدولة الاجتماعية" التي حث عليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وعجل بشفائه، وحول مدى التزام الحكومة بمبادئ العدالة والإنصاف. فالمتقاعدون لا يطالبون بصدقات أو امتيازات، بل بحقوق ساهموا في تمويلها عبر الاقتطاعات الإجبارية من أجورهم. إن الحديث عن المعاشات كعبء مالي يتجاهل حقيقة أن صناديق التقاعد بُنيت من مساهماتهم ومدخراتهم، وأسهمت لعقود في تمويل الاقتصاد الوطني واستقراره المالي. كما استفاذت منه هذه الحكومة العاقة بما يسمى "بالتمويلات المبتكرة". هذا التناقض يضعنا أمام تساؤل جوهري حول فلسفة "الدولة الاجتماعية":
وهل تُمنح الحقوق وفق معايير المواطنة والاستحقاق، أم وفق ميزان القوة السياسية والاقتصادية والانتخابية؟
وتزداد الصورة وضوحاً عند استحضار النقاش الجاري حول إصلاح أنظمة التقاعد. ومدى أهمية المقاربة التشاركية في تدبير الملفات الاجتماعية، والتي تقصى منها هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب والجمعيات المماثلة لها، فإن تحويل التوافق إلى شرط دائم لأي قرار قد يصبح في حد ذاته ذريعة لتأجيل الإصلاح وتأخير الاستجابة للمطالب الملحة للمتقاعدين وعلى رأسها الزيادة الفورية في المعاشات والرفع من الحد الأدنى لها.
والمثير للاهتمام أن الاجتماعات الأخيرة للجنة التقنية لإصلاح أنظمة التقاعد أظهرت، وفق ما صرح به ممثلو النقابات، أن بعض الصناديق، وعلى رأسها الصندوق المهني المغربي للتقاعد، لا تعاني من عجز مالي يهدد استمراريتها. وهو معطى يعيد طرح السؤال حول مدى صحة الخطاب الذي يختزل أزمة التقاعد كلها في الجانب المالي، بينما تتعلق الإشكالات الحقيقية أيضاً بطريقة التدبير والحكامة وتوزيع الأعباء والحقوق بين مختلف الفئات.
إن التركيز على الجوانب التقنية والمالية لا ينبغي أن يحجب جوهر القضية، فالمتقاعد لا يقيس نجاح الإصلاحات بحجم التقارير والخبرات والدراسات، بل بقدر ما تنعكس على حياته اليومية وقدرته على مواجهة تكاليف العيش المتزايدة. لذلك فإن أي إصلاح لا يفضي إلى تحسين ملموس في مستوى المعاشات وحماية القدرة الشرائية سيظل إصلاحاً ناقصاً مهما كانت مبرراته التقنية.
في النهاية، يبدو أن ملف المتقاعدين أصبح اختباراً حقيقياً لمدى صدقية الخطاب الرسمي حول الدولة الاجتماعية. فالجرأة السياسية لا تُقاس فقط بالقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، بل أيضاً بالاستعداد لإنصاف الفئات التي لا تمتلك قوة ضغط اقتصادية كبيرة. والمتقاعدون، الذين ساهموا لعقود في بناء مؤسسات الدولة وخدمة المرافق العمومية والخاصة، يستحقون اليوم سياسة عمومية تنطلق من منطق الحق والإنصاف، لا من منطق التأجيل والتبرير.
فإذا كانت الدولة الاجتماعية تعني حماية الفئات الهشة وصيانة الكرامة الإنسانية، فإن المتقاعدين يجب أن يكونوا في قلب هذه الرؤية لا على هامشها. أما استمرار المماطلة وتأجيل الحلول والاكتفاء بالإجراءات الرمزية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشعور بالإقصاء وفقدان الثقة في الوعود الحكومية، وهو ما يجعل من إصلاح أوضاع المتقاعدين ليس مجرد ملف اجتماعي، بل امتحاناً سياسياً وأخلاقياً للدولة والحكومة معاً.






