سياسة واقتصاد

سامير: حين تكذب المزايدات وتنتصر الذاكرة

أحمد المهدي مزواري (عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي)

في السياسة، قد ينجح البعض في صناعة الضجيج، لكنهم لا يستطيعون تزوير الذاكرة.

وإذا كان هناك ملف يكشف حجم التناقض بين من كانوا يتفرجون بالأمس ومن يحاولون اليوم توزيع صكوك الوطنية، فهو ملف مصفاة سامير.

فكلما عاد النقاش حول هذه المنشأة الاستراتيجية، خرجت أصوات تحاول عبثاً إقحام الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في مسؤولية لم يتحملها يوماً، أو التشكيك في مواقفه التي كانت واضحة وثابتة منذ اللحظة الأولى للأزمة.

والحقيقة أن سامير أغلقت أبوابها سنة 2015 في ظل حكومة كان يرأسها عبد الإله بنكيران. في تلك اللحظة المفصلية، لم يكن الاتحاد الاشتراكي في موقع القرار الحكومي، ولم يكن يملك سلطة التدخل التنفيذي، لكنه كان يمتلك ما هو أهم: وضوح الرؤية وشجاعة الموقف.

لقد أدرك الاتحاد مبكراً أن الأمر لا يتعلق بإفلاس شركة عادية، بل بضربة موجعة للأمن الطاقي الوطني، وبخسارة أداة استراتيجية راكمها المغرب على مدى عقود. لذلك اختار الانحياز إلى الوطن، لا إلى الحسابات السياسية الضيقة.

بينما كان البعض منشغلاً بتبرير الأمر الواقع أو الاختباء خلف المساطر القانونية والقضائية، كان مناضلو الاتحاد الاشتراكي في قلب المعركة المدنية والسياسية دفاعاً عن استمرار المصفاة. كانوا حاضرين داخل اللجنة الوطنية لإنقاذ سامير، وداخل المبادرات المحلية بالمحمدية، وفي النقاش العمومي، وفي الصحافة الوطنية، وفي البرلمان، وفي مختلف الفضاءات التي رفعت صوت الدفاع عن هذه المنشأة الحيوية.

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب اليوم أن بعض الذين صمتوا بالأمس، أو باركوا بشكل مباشر أو غير مباشر منطق التخلي عن المصفاة، أصبحوا يقدمون أنفسهم فجأة في هيئة المدافعين عنها، ويوزعون الاتهامات يميناً ويساراً، وكأن المغاربة فقدوا ذاكرتهم.

لكن ذاكرة المغاربة ليست قصيرة إلى هذا الحد.

إن الاتحاد الاشتراكي لم يدافع عن سامير لأنها قضية شعبوية أو ورقة انتخابية. لقد دافع عنها لأنها قضية سيادة وطنية. دافع عنها لأنها ترتبط بأمن المغرب الطاقي، وبحقوق آلاف الأسر، وبمصير مدينة كاملة دفعت ثمناً اجتماعياً واقتصادياً باهظاً.

واليوم، وبعد الأزمات الدولية المتتالية وارتفاع المخاطر المرتبطة بالطاقة وسلاسل التوريد، يتأكد للجميع أن التحذيرات التي أطلقها الاتحاد لم تكن صرخات في الهواء، بل كانت قراءة سياسية واقتصادية بعيدة النظر. لقد أثبت الواقع أن الدول التي تفرط في أدواتها الاستراتيجية تدفع الثمن لاحقاً مضاعفاً.

لذلك، فإن من يريد الحديث عن سامير عليه أولاً أن يتحلى بالشجاعة السياسية للاعتراف بالمسؤوليات الحقيقية. أما محاولة تبييض صفحات البعض السوداء عبر تحميل الاتحاد الاشتراكي أوزار غيره، فلن تغير من الحقائق شيئاً.

لقد كان الاتحاد في صف الدفاع عن المصفاة عندما كان الدفاع عنها مكلفاً سياسياً. وكان في صف العمال عندما كان آخرون يبحثون عن الأعذار. وكان في صف المصلحة الوطنية عندما اختار آخرون منطق اللامبالاة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة: لم يكن الاتحاد الاشتراكي جزءاً من قرار إغلاق سامير، لكنه كان جزءاً من كل معارك الدفاع عنها.

وهذا فرق جوهري بين من صنع الأزمة أو صمت عنها، ومن قاومها منذ اليوم الأول.