3_ بعد رحلة استكشاف قصيرة، تعرفنا خلالها على بعض من تراث و مآثر و بنيان و عمران و حضارة و ناس و عظمة عاصمة روسيا الاتحادية ، حلت صبيحة الأحد، الموعد الرسمي لافتتاح "المنتدى الثالث حول الإرهاب و الفاشية الجديدة " الذي ينظمه الحزب الشيوعي الروسي و كتلته البرلمانية في مجلس النواب الروسي "الدوما".
كان الاستيقاظ باكرا .
كل مطاعم الفندق غاصة بالمشاركين و بضيوف المنتدى ، كل القارات هنا ، كل اللغات ، كثير جنسيات و مختلف أجيال ، و buffet فطور يلبي كل الأذواق و الرغبات.
و طاقم تنظيم ضخم ، يرحب ، يوجه و يتجاوب بلباقة لافتة مع كل استفسار .
هذا العدد الهائل من المشاركين المدعوين من خارج روسيا بشارة على أننا بصدد محفل كبير ...
في بداية الجلسة الافتتاحية سيعلن المنظمون بأن عدد الوفود التي وصلت هو 180 وفدا من 100 دولة .
الأغلبية الساحقة أحزاب شيوعية ، و الباقي : شخصيات سياسية يسارية و أحزاب يسار اشتراكي ديمقراطي اجتماعي ( لأول مرة ينفتح عليهم الحزب الشيوعي الروسي ) و منظمات نسائية و شبابية ، مع حضور كثيف لكل التنظيمات الفلسطينية من الداخل و من المخيمات بلبنان و سوريا ( باستثناء الحركات الجهادية)
ما هي الرهانات يا ترى ؟
بعد وجبة فطور سريعة ، و لأن المنع صارم فيما يخص التدخين داخل الفندق ، و بكل الفضاءات العامة ، بل و حتى بالشوارع ، و ما على المدخن إلا أن يلجأ إلى حيث توضع منافض كبيرة مخصصة "للمبليين" مثلي ، فقد اصطحبت قهوتي السوداء إلى البهو الخارجي للفندق حيث تحلق حزب المدخنين حول منفضة زرعت هناك و كل ينفث دخان "ليلاه"..
و أمامنا ، كانت تتوالى أسراب كثيفة من الروسيات و الروسيين، صغارا و كبارا ، بلباسهم الرياضي يتجهون بخطوات رياضية نحو ضفاف نهر موسكفا لممارسة تمارينهم الرياضية ، أحد أحب الطقوس اليومية إلى الشعب الروسي، بالإضافة طبعا إلى عب الفودكا الباردة ، دون تعريضها لأي مسخ ، كما دأبنا نحن على ذلك .
عند دنو موعد الافتتاح ، شرعت كثير سيارات فخمة ، ديبلوماسية و غير ديبلوماسية تصل إلى باب الفندق ، سفراء و قناصلة أجانب ، و برلمانيون و شخصيات سياسية و مدنية و عسكرية روسية ..
الأحمر يتسيد الألوان و الهندام لدى الروسيات و الروس خصوصا .
على فساحتها ، فقد عجت كل جنبات الفندق بالناس.
و عند الساعة التاسعة و النصف ، شرع المنظمون و بكثير من الأدب في دعوة المشاركين و الضيوف للاتحاق بالقاعة الكبرى للفندق حيث ستجري مراسيم الافتتاح .
في الطريق إلى هناك ، استوقفني "يوري" الشاب الروسي الأنيق الذي بعد أن تعرف علي و قدم لي نفسه بلغة عربية "تقضي الغرض" ، أخبرني بأنه منذ اللحظة مرافقنا ، نحن المجموعة العربية بالمنتدى ، و يضع نفسه رهن إشارتنا.
و كذلك كان بالنسبة لكل المجموعات ، مرافق و مترجم.
قبل ولوج القاعة ، سلمت لكل راغب في ذلك معدات للترجمة الفورية للغات التي كانت معتمدة : الروسية، البرتغالية ، العربية و الإنجليزية.
غصت القاعة الفخمة و الفسيحة بأكثر من ألف نفر ، و بالمنصة خمس أرائك فقط ، لا شعارات و لا أغاني .
ثم حضرت الرئاسة .
رئيس الحزب الشيوعي الروسي منذ تأسيسه سنة 1993 ( يضم حاليا حوالي مليون و نصف مليون منخرط ، و له 57 برلمانيا بالدوما ) ، و رئيس لجنته المركزية و رئيس كتلته البرلمانية في مجلس الدوما "غينادي زيوغانوف" GENNADY ZYUGANOV( من مواليد 1944، دوكتوراه في الفلسفة، عسكري سابق ، أستاذ جامعي ، ترشح للانتخابات الرئاسية ثلاث مرات : 1996 ضد بوريس يلتسين و حصل على 32% من الأصوات، 2008 ضد مدفيديف و حصل على 17،76 من الأصوات، 2012 ضد بوتين و حصل على 17،78 من الأصوات ) . و إلى جانبه نائبه في الحزب و اللجنة المركزية ( شاب في عقده الخامس) ، و عضوين آخرين من المكتب السياسي للحزب ، و خامس من المكتب السياسي للحزب الشيوعي الأوكراني ( الوحيد من الأجانب المشاركين الذي حظي بهذه المكانة ، دليلا على عمق ما يربط الحزبين الشيوعيين الروسي و الأوكراني منذ أن كان يجمعهما الحزي الشيوعي السوفياتي ، و دليلا على أن أوكرانيا ليست كلها على قلب فلوديمير زيلينسكي).
كلمات تقديم و ترحيب جد مقتضبة ، ثم تناول الكلمة رئيس الحزب و اللجنة المركزية GENNADY ZYUGANOV.
قامة فارهة ، و جسد ممتلئ و صوت جهوري قوي يفرض الانتباه.
طال عرضه السياسي ..فكان التذكير بالدورتين الأولتين للمنتدى ، ثم شرح المقصود بالإرهاب و الفاشية الجديدة : إرهاب الدول و المقصود الممارسات الأمريكية و الغربية عموما في علاقتها بباقي العالم ، و خاصة ما دفعت إليه القيادة الأوكرانية، و ما فعلته بفنزويلا و تفعله في إيران و فلسطين و لبنان ، و ما تنوي فعله بكوبا و اعتداءها على سيادة الدول ، و محاولة التحكم في العالم و الاستحواذ على موارده ، و إحياءها لفاشية جديدة ، يمينية متطرفة و شعبوية ، و عودتها لمنطق الحرب و الغطرسة و فرض الأحادية القطبية.
كال لأمريكا و للمملكة المتحدة و لفرنسا الجزء الأكبر من انتقاداته اللاذعة ، باعتبارها الدول / عرابة إرهاب الدولة ، و مغذية عودة الفاشية الجديدة .
و احتلت أوكرانيا و رئيسها المحور الرئيس في عرضه ، معتبرا بأن القيادة الأوكرانية ليست سوى أداة طيعة اخترقها الغرب و استعملها كأداة للفاشية الجديدة ، مذكرا بأن اللغة الروسية هي اللغة الرسمية ل82% من الأوكرانيين ، و بأن أوكرانيا زمن ارتباطها بالاتحاد السوفياتي ثم روسيا كانت إحدى أرفه دول الاتحاد السوفياتي و أكثرها إنتاجا و تصنيعا و تقدما ( فلاحة ، صناعة ثقيلة ، صناعة دوائية ...) ، و اليوم هاهي تعيش إحدى أحلك فترات تاريخها بفعل الحرب التي دفعت إليها ، مشددا على أنهم كشعب روسي و كدولة روسية و كقوى سياسية روسية موحدون متآزرون خلف القيادة الروسية في هذه الحرب التي تخوضها أوكرانيا بالوكالة .. كما كانوا موحدين متآزرين أيام الحرب الكبرى 1940/ 1945 للجيش الروسي ضد النازية و جيش هتلر ، هذه الحرب التي قدم فيها الشعب الروسي أكثر من 27 مليون شهيد من أبناءه و بناته و انتهت إلى ضحد النازية و جيشها و إعلان النصر العظيم يوم 9 ماي 1945، ليتخلص العالم من كابوس مرعب.
رغم طول العرض ، كانت القاعة مصغية صامتة كأن قديسا يخطب في كنيسة...علامة على مكانة الخطيب ، الذي بعد أن اقتربنا منه بعض الشيء و سألنا عنه بعض رفاقنا و تتبعنا كيف يعامل ...أيقنا بأن للرجل هيبة و كاريزما خاصتين.
وقفت القاعة مصفقة لبضع دقائق ، كان تفاعله معها برفع قبضة نصر.
ثم جاءت البرقيات الموجهة للمنتدى ..
أولها و أهمها البرقية المقتضبة جدا للرئيس الروسي Vladimir Poutine الذي رحب بالضيوف و تمنى للمنتدى النجاح و أطرى على وحدة الصف الروسي في مواجهة الغطرسة الغربية ، و ذكر بأبطال المقاومة الروسية الذين حققوا النصر الروسي على النازية سنة 1945 ، و دعى إلى مواصلة هذا النهج الوطني الوحدوي .
برقية الرئيس الروسي إلى المنتدى و منظمه الحزب الشيوعي الروسي ، القوة الأولى المعارضة له بالبلاد كانت دعوة صريحة إلى تمتين الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الخارجي.
توالت بعد ذلك برقيات تهنئة أخرى من رئيس مجلس الوزراء و رئيس مجلس النواب ، نحت نفس الوجهة..
ثم جاءت لحظة تكريم كبرى ، لشخصية دولية ، لاحظنا منذ حلولها بقاعة الافتتاح أنها تنعم بمعاملة استثنائية.
"إيكون غرينز" Egon Krenz، آخر رئيس لألمانيا الشرقية ، معلم ، من مواليد 1937 ، أحد قادة الحزب الشيوعي بألمانيا الشرقية ، قضى ست سنوات و نصف السنة رهن الاعتقال بعد انهيار جدار برلين و إدانته بجرائم النظام الذي كان أحد رموزه ، رغم أنه لم يقض كرئيس للدولة إلا بضعة أسابيع في فترة انتقالية.
قدمه رئيس الحزب الشيوعي الروسي كأحد رموز مناهضة الفاشية و الإمبريالية و أحد رموز المقاومة ، و لذلك قاد الحزب الشيوعي الروسي حملة دولية لإطلاق سراحه ، و هو ما كان ، و هو الشخصية الدولية التي وقع عليها الإختيار في هذا المنتدى لتحوز عن استحقاق و جدارة "جائزة فلاديمير لينين" ذات القيمة الرمزية الكبرى التي يقدمها الحزب الشيوعي الروسي لكبار الشخصيات.
بدا على الكهل الألماني كثير التأثر ، و بادلته القاعة كثير التقدير.
انتهت جلسة الافتتاح، في الوقت الذي كان محددا لها بدقة بالغة . وجبة الغذاء تنادي ، و الموعد المقبل على الساعة الرابعة زوالا لانطلاق جلستي محوري نقاش المنتدى :
_ الإمبريالية و الإرهاب الدولي في القرن 21.
_ التضامن في مكافحة الإرهاب الدولي و مظاهره.
الكلمة لنا إذن...
ماذا نحن قائلون ؟
إلى حلقة أخرى.
فاس في 16 يونيو 2026






