وذلك بالضبط ما أخّر الإعلان عن انطلاق مشروع الفيفا وكأس العالم، إذ كانت قيادات العمل الأولمبي تماطل وتشكك وتؤجل وتداهن، بغرض تعطيل أولى اللبنات الفعلية المتمثلة بانطلاق أول بطولة عالمية لكرة القدم، بحجج كانت جميعها تعبر عن مخاوف أولمبية راسخة من أن تلتهم الفيفا الألعاب الأولمبية مستقبلاً.
وبعد أخذ ورد، وفيما كان العالم يلعق جراحه عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، تم تثبيت العاصمة الأوروغويانية مونتيفيديو كأول مدينة تحظى بشرف احتضان النسخة الأولى من المونديال. نظرياً، جرى الترويج لثلاثة معايير لإقناع الأعضاء بمنح شرعية الاستضافة الأولى للأوروغواي، منها الفوز ببطولتين أولمبيتين متتاليتين في كرة القدم عامي 1924 و1928، إضافة إلى الذكرى المئوية لاستقلال البلاد.
هذا هو الظاهر المعلن، أما حقيقة الأمر والأسباب والدوافع الحقيقية وراء اختيار الأوروغواي، فلا يجدي الاستقصاء كثيراً في كشفها؛ فاختيار حدث جماهيري عالمي كبير بعد حرب كونية لا يمكن أن يتم دون توافقات سلطوية ومصالح دولية معقدة.
وخلال ما يقارب مائة عام من عمر المونديال، ظلت مباريات كرة القدم على حالها من حيث الشكل العام، ولم تطرأ عليها سوى تغييرات محدودة في القوانين والتعليمات. إلا أن نسخة 2026 شهدت تحولات، وإن لم تكن جوهرية، فإنها تنبئ بدور مونديالي أكبر في حياة الشعوب والدول والمجتمعات على المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية، وقطعاً الاجتماعية.
وقد صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مراسم قرعة البطولة قائلاً: "أنا سعيد بما بلغته تنمية كرة القدم العالمية، وما شهدته من توسع كبير ينبئ بدور أكبر للعبة في المستقبل."
فالبطولة لم تعد مقتصرة على عدد محدود من الفرق كما كان الحال في البدايات، بل شهدت النسخة الثالثة والعشرون تنظيمها في ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، بصورة غير مألوفة سابقاً، كما ارتفع عدد المنتخبات المشاركة ليشمل ما يقارب ربع دول العالم.
فضلاً عن ذلك، تم تثبيت تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، وتعزيز آليات التحكم في مجريات المباريات ونتائجها عبر منظومة تحكيمية محمية ومحصنة مؤسساتياً. كما تم اعتماد فترات توقف قصيرة لشرب الماء وإنعاش اللاعبين، بمعزل عن الظروف المناخية، في تحول جديد قسم المباراة عملياً إلى أربع فترات لعب.
ويُعد ذلك، بحسب بعض الآراء، تمهيداً لتفعيل فكرة تحويل كرة القدم مستقبلاً إلى أربع أشواط، بما يتيح إدخال تحسينات وتقنيات جديدة تخدم الأبعاد التسويقية والترويجية والاستثمارية، بما يليق بهذا التجمع العالمي والكرنفال البشري المهيب... وما خفي كان أعظم.






