قال الشاطبي في الموافقات : "ثبت في الأصول أن شرط التكليف أو سببه القدرة على المكلف به فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعا وإن جاز عقلا".
السياسات المعتمدة حكوميا ومنها تحرير الأسعار وتعطيل أدوار اجتماعية لصندوق المقاصة والتضخم، مقابل ضعف أجور ودخل الغالبية الكبرى من الشعب الذين يكدحون كدحا وتتساقط على رؤوسهم المنغصات طوال فصول السنة بمناسباتها من متطلبات الدخول المدرسي ومصاريف العلاج، إلى إكراهات السوق في رمضان وحاجيات عيد الفطر ثم عيد الأضحى، إلى المتطلبات الدنيا لعطلة الصيف، ففي كل أيام السنة تتقلب أحوال المواطنين والمواطنات وخاصة محدودي الدخل بين خياري السيئ والأسوأ ليقعوا في المكروه بفتح "كنانيش" الديون مع البقال والخضار والكتبي وتاجر الملابس و عند الصيدلية. ومع المكري، ويقع عليهم الإجبار بإلزامية أداء استهلاك الماء والكهرباء. لتمتد آثار الإقتراض المرهقة على الأسر والعائلات وعلى مستوى العيش لأشهر وأحيانا لسنوات، وقد يتركها العديد منهم بعد وفاتهم على الورثة؟
كل هذا وغيره يزيدهم إرهاقا وحرجا لضمان عيش النهار، حيث يتبخر الدخل - كان أجرة عمل أو خدمة - في العشر الأوائل من كل شهر، ليكتوي عيال الله مساكين الوطن بنيران الإحتكار والغلاء والتهميش والخصاص المدقع، فتتوالى الأزمات في الأيام والأشهر والسنوات ليزداد الفقراء فقرا وعددا مقابل استفحال ثراء الأثرياء بالإستقواء والدعم الفعلي لقدراتهم بوضع سياسات وبرامج حكومية بمرجعية السرعتين القصوى والسفلى. فمن ارتفاع تكلفة شراء الخضر والفواكه واللحوم، إلى تغول أثمان أضحية العيد التي تبتلع كل الحد الأدنى للأجر المعتمد عند غالبية الشغيلة الكادحة التي تلجأ إلى بدعة شراء الخروف بالتقسيط الشهري أو بالرهن؟
إن الحياة صعبة ومعقدة بسبب السياسات التي تنتج فوارق طبقية وتقوي هيمنة أصحاب "السرعة الأولى" الذين يوسعون نسبة فئات المعطلين والعاطلين واليد العاملة المؤقتة... مع الإجهاز على حقوق وحتى مكتسبات أصحاب "السرعة الثانية".
نعلم جميعا أن الرسالة المحمدية كلها يسر على نقيض ما يذهب إليه المتشددون؟. قال تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) سورة الحج.
فالأركان تقام وتؤدى بالإيمان الصادق واليسر والاعتدال، فلا صيام على المريض والعاجز، ولاحج على المعسر، ولازكاة يخرجها الكادحون والفقراء، والأضحية ليست ركنا في الإسلام ولا في الإيمان فلا وجوب ولا حرج ولاعقاب على من لا يضحي.
قال الشافعي في الأم: "وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُما كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يُقْتَدَى بِهِمَا، لِيَظُنَّ مَنْ رَآهُمَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَلَسَ مَعَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِدِرْهَمَيْنِ، فَقَالَ: اشْتَرُوا بِهِمَا لَحْمًا، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ كَانَ قَلَّمَا يَمُرُّ بِهِ يَوْمٌ إلَّا نَحَرَ فِيهِ، أَوْ ذَبَحَ بِمَكَّةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ."
وكتب أهل الاختصاص وفق فهمهم ومذهبهم أن من ترك أداء السنن المؤكدة عمدا أو سهوا أو عجزا فلا إثم عليه. وأضافوا أنه يثاب على فعلها لاستحباب سيدنا محمد (ص) لها.
وفي علاقة بالتحمل والمزيد من صبر الشعب الكادح المسكين والفقير الذي يروج له أهل الحل والعقد بالمؤسسات التنفيذية والتشريعية و...نذكر بتعريفه : (الصَّبرُ: حَبسُ النَّفسِ عنِ الجَزَعِ، واللِّسانَ عنِ التَّشَكِّي، والجَوارِحَ عن لطمِ الخُدودِ وشَقِّ الثِّيابِ ونَحوِهما) ، وهذا التفسير يخدم الحكام وسياساتهم ويدعم بتوجيه من "الذين" ينصحون الناس بالقبول والرضى والصبر بما يضمن استمرار وتقوية التمكن والتحكم، لإخضاع الناس وتحفيزهم للمزيد من التحمل والإصطبار في الدنيا الفانية، لأن لهم بذلك الأجر والثواب العظيم والتمتع بكل الملذات والخيرات والشهوات بالفردوس الأعلى ومادونه من الجنات، وللعامة أن يتوقعوا في حياتهم استمرار الضرر بغياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والمجالية، ولنا إن كنا عاقلين أن نتعظ بالحراك الاجتماعي المطلبي والإحتجاجي والتظلمي عبر التاريخ وأن نستفيذ من التجارب الصالحة البناءة، وأن نتوقع احتمال تجاوز الصبر للحدود المحتملة عند الذين طالهم التهميش والضرر والغبن.
من أقوال الإمام علي ابن أبي طالب : (إنّ الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقيرٌ إلا بما مُتّع به غني والله تعالى سائلهم عن ذلك).






