تركز جل الأحزاب، والحديث هنا عن الحقيقية والجادة منها، في سياق التحضير للمشاركة في الانتخابات على القيام بكل ما من شأنه أن يمكنها من إقناع المواطنين بالتصويت لها ولمرشحيها.
وتجتهد في بلورة برامج انتخابية تحاول أن تضمنها مقترحاتها من أجل تجويد تدبير الشأن العام والاستجابة لاحتياجات الوطن والمواطنين.
كما تعمل تلك المتواجدة منها في المعارضة على تكثيف انتقاداتها للحكومة القائمة وتدبيرها للشأن العام وتعمل على تبيان نقائص تدبيرها.
وهذا كله مطلوب، باعتباره الحد الأدنى من العمل السياسي الانتخابي الجاد والمسؤول.
غير أن ذلك وحده لا يكفي، خاصة بالنسبة للأحزاب التي تحمل مشاريع إصلاحية حقيقية، والتي تراهن على تطبيق مشاريعها، أو على الأقل تحقيق الجزء الأكبر منها، كما هو الحال بالنسبة لحزب العدالة والتنمية على سبيل المثال.
وسأنطلق من تجربة هذا الحزب في الشق الثاني من هذه المقالة، بحكم معرفتي الدقيقة بها في المراحل التي تحملت فيها مسؤوليات تنظيمية داخله وانتدابية باسمه، سمحت بمعايشة واقعه بشكل مباشر ومن موقع المشارك والفاعل. مع عدم التفصيل في مسألة تقييم التجربة من وجهة نظري، والذي سأتركه لمقالات لاحقة، وأكتفي هنا بالتركيز على الأفكار المنهجية تجنبا للإطالة.
وعليه فإذا كان ما ذكر في بداية المقالة غير كاف للتحضير للانتخابات فما المطلوب إضافته؟
في تقديري هناك أربع عمليات بالغة الأهمية يتعين القيام بها استفادة من التجربة الماضية:
أولا: التقييم الموضوعي والمنهجي والصارم لتجارب الحزب السابقة عندما كان في مواقع التدبير سواء على مستوى الحكومة أو الجماعات الترابية لتحديد الإيجابيات والسلبيات، ولتحديد العوائق والصعوبات ذات الطبيعة البنيوية والنسقية التي أبانت عنها التجربة أو جلتها سواء داخليا أو على مستوى النسق السياسي الذي يتحرك داخله الحزب.
ومن أهم الخلاصات المفترض تحصيلها الإجابة على سؤال: لماذا لم يتمكن الحزب من إنجاز إلا النزر اليسير من وعوده الانتخابية رغم صدق النوايا وبذل الوسع من أجل ذلك؟
ولماذا حتى هذا النزر اليسير كان في الغالب خارج مجالات الإصلاح البنيوية، أي ذات الصلة بمنظومة الحكامة المؤسساتية والدمقرطة وحقوق الإنسان.
وعموما فالتقييم يجب أن ينتهي بخلاصات واضحة ودقيقة حول الإشكاليات والمعيقات التي اعترضت المشروع الإصلاحي سواء على المستوى الموضوعي أو على المستوى الذاتي.
وأن يسمح بتحديد الخلاصات الأولية حول الدور والحجم يمكن من تحديد الحجم الذي أخذته المشاركة الانتخابية من عمل الحزب، وتحديد المجالات التي الأساسية الأخرى في عملية الإصلاح السياسي التي غاب أو ضمر عمل الحزب فيها.
ثانيا: بالموازاة مع تقييم التجربة، يتعين القيام بعملية تشخيص ذي بعد استراتيجي للوضع السياسي، تتلوها عملية استشراف سياسي لممكنات المستقبل، وذلك باستحضار مجمل التحولات الجارية والمستشرفة وطنيا ودوليا، وعلى مستوى التحولات العميقة التي ستحدثها ثورة الذكاء الاصطناعي على مستوى موقع الإنسان في عالم الغد وما سينتج عن ذلك من تحولات على مستوى الاجتماع البشري.
ثالثا: بناء على التقييم وخلاصاته، خاصة في الشق الموضوعي، وعلى عمليتي التشخيص والاستشراف الاستراتيجيين، يتم تحديد أربعة أمور أساسية:
أ- إعادة تحديد أو تدقيق الأهداف السياسية المركزية للمرحلة المقبلة: من قبيل هل ما زال سؤال الديموقراطية أولوية؟ فإن كان نعم، فبأي معنى وبأية كيفية؟ أم هل يتم تعويضه بسؤال الحكامة الجيدة؟ وهنا دائما يطرح سؤال: بأي معنى وبأية كيفية؟
ب- موقع ودور المشاركة الانتخابية وفي المؤسسات المنتخبة في تحقيق الأهداف المحددة، وماهي المجلات الأخرى الواجب إدماجها في عمل الحزب لتحقيق هذه الأهداف.
ت- بعد تحديد الأهداف السياسية المركزية للمرحلة المقبلة، ومجالات العمل، تتم بلورة إجابات إجرائية على مستوى ما يمكن تسميته ” الاستراتيجية السياسية” أو بعبارة أدق ” الخط السياسي” الكفيل بالتمكين الفعلي من تحقيق الأهداف المحددة، سواء وصل الحزب إلى مواقع التدبير أم لا.
فلئن كانت مشاركة الحزب في الحكومة المقبلة حظوظها ضعيفة جدا، بل تكاد تكون معدومة، فإن تمكن الحزب من تحقيق نتائج تسمح له بتسيير عدد من الجماعات الترابية في استحقاقات 2027 راجحة، مما يجعل القيام بما ذكر أعلاه ذا أهمية لتأطير هذا التسيير، والتحضير في كل الأحوال للمستقبل، باعتبار ما هو مطلوب اعلاه أمورا لا غنى عنها لاي مشروع إصلاحي جاد.
رابعا: وأخيرا، فإن المعول عليه في حمل وتنزيل المشروع الإصلاحي هو العنصر البشري، وعليه فلابد من تكوين وتأهيل مناضلي الحزب ليستوعبوا بالشكل المطلوب الخط السياسي الذي ستتم بلورته وليكونوا في مستوى القيام بمسؤولياتهم حين يصلون إلى مواقع التدبير. فلا أسوء من الدفع بمناضلين لتولي مسؤوليات التدبير دون خط سياسي محدد ومؤطر، وفي غياب وضوح منهج وطريقة الاشتغال، وعدم تحديد الأهداف العملية وكيفية الوصول إليها. بحيث تكون النتائج رهنا باجتهادات الأفراد وقدراتهم، مما يجعلها في العديد من الحالات محدودة جدا، كما أنه في غياب مرجعية موحدة وخط متفق عليه ومؤطر كثيرا ما تتفجر الخلافات الداخلية التي يعجز التنظيم عن حلها. وهكذا تؤدي المشاركة في التدبير في عدد من الأماكن إلى إضعاف التنظيم، الذي هو أداة الإصلاح.
وفي الختام، إن عملية الإصلاح عملية معقدة، وقوى مناهضة الإصلاح ذا إمكانات هائلة، وذات قدرة متعاظمة على تطوير فهمها لقوى الإصلاح وأساليب اشتغالها ونقط قوتها وضعفها، ولكيفيات إعاقتها. وهو ما يتطلب من قوى الإصلاح كذلك أن تجدد وتحين رؤاها وطرق اشتغالها، وأن ترفع من مستوى احترافيتها ومن احترافية أعضاءها وقدراتهم ومؤهلاتهم، إن هي أرادت لمشاريعها أن تتقدم. أما الاستمرار على نفس المقولات والأساليب الماضية، وإن وقع تطوير فيها، بحكم تراكم التجربة وتزايد الدربة، فأقصى ما ستسمح به هو تحسين في أرقام المنتخبين وفي مواقع المسؤولية التي يمكن الولوج إليها، ليس إلا. وستتعرض التجربة مرة أخرى للإجهاض ويتأخر الإصلاح ومعه الثقة في إمكانه.






