هذه المتعة هي ما خلفته لدي قراءة كتاب "أساور عائشة.. من كناشات الشعر والصداقة والحياة"، الذي أهداني نسخة منه، مشكورا، الصديق العزيز الشاعر مراد القادري، رئيس (بيت الشعر في المغرب)، خلال الدورة الأخيرة للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.
ثمة نبل طافح بين ثنايا النصوص والشهادات المتضمنة في هذا الكتاب الأنيق، شكلا ومضمونا، الذي يقع في 227 صفحة من القطع المتوسط، والذي ينهل سرده من محبرة الصدق والمحبة والوفاء..
إنه نبل الشاعر الوفي لعلاقاته وصداقاته، والمقدر للعطاءات المميزة الخيرة في شتى المجالات، والمعترف بفضل الآخرين في صقل شخصيته ومساره..
كتب الشاعر حسن نجمي في تقديم للكتاب: "ما من روح أكاديمية أو نزوع بحثي في هذه النصوص. هناك صوت الشاعر الذي عرفناه متقشفا في قصيدته العامية الجميلة المتفكهة المنذورة للندرة، وهو يتدفق في هذا العمل بالوقائع والتفاصيل".
وأضاف أنه سنعرف الكثير عن شخصية ومسار المؤلف من خلال شهاداته عن عدد من أصدقائه وأساتذته الأقرب إلى قلبه وفكره، وبالخصوص من عائلته الكبرى، وأسرته الصغيرة، حيث يعرف القراء لأول مرة، ربما، أنه لولا عائشة التي باعت أساور زفافها لما ظهر الكتاب الشعري الأول لمراد القادري "حروف الكف".
والكتاب، حسب ما جاء في كلمة لمؤلفه، ليس تجميعا لسير أو شهادات عابرة، اقتضت مناسبات ثقافية أو شعرية أن يكتبها أو أن ينشرها تحية لأصحابها، بل هو "شهادة عرفان لرفقة آمنت بالكلمة، ووقفت إلى جانب الحلم، وتقاسمت معي أسئلة الحياة ومعانيها، الأمر الذي جعل الكتابة عنها ليست فعل حنين، بل فعل مسؤولية: مسؤولية توثيق الأثر، وحفظ الذاكرة، والاعتراف بالجميل في زمن تتسارع فيه الخطى وتبهت فيه التفاصيل".
لقد جاء الكتاب، يضيف مراد القادري، ليكون فضاء للاعتراف، ونافذة على تجارب أشخاص جمعوا بين الإبداع والموقف، بين الحلم والعمل، بين الفكرة وسلوك الحياة (...) وبهذا المعنى، يكون هذا الكتاب، من جهة، رد بعض الجميل لمن جعلوا الطريق أقل وعورة، وأكثر إشراقا. كما يكون، من جهة ثانية، مساحة للامتنان: امتنان للعائلة التي صنعت الجذور، وللشعراء الذين وسعوا الأفق، وللأصدقاء الذين جعلوا الرحلة أقل قسوة وأكثر معنى.
وفي الكناش الأول "كناش العائلة"، يحكي الشاعر القادري عن صديقه الأول: الطفل الذي كانه والذي أتاح له روتينه اليومي أن يكبر قبل الأوان، وعن أحمد القادري: الوالد والولد، حيث أفادته صحبة الوالد، وأفاده مقهاه الشعبي بسلا أكثر، ربما، مما أفادته المدرسة. فبجواره تشرب الكلام الشفوي المعتق الذي سينفجر لاحقا في قصائد مكتوبة باللهجة العامية.
كما يتحدث عن العم أبو بكر القادري، الذي استطاع وسط كل التقلبات السياسية والاجتماعية والمنعطفات التاريخية الهامة التي شهدها المغرب والعالم العربي والإسلامي، أن يحافظ على نقائه ونبله وزهده، وأن يصون ذاكرته من التلف والأعطاب.
وفي "كناش الشعراء"، يبدأ مراد القادري بالحديث عن محمد الأشعري الذي "ظل طيلة المسارين الثقافي والسياسي مؤمنا بقيمة التعدد والاختلاف، منتصرا لعدالة التنوع اللغوي، ملتزما بتشجيع كل التعبيرات المغربية، الشفوي منها والمكتوب...".
وأتبع ذلك بنص حول أحمد فؤاد نجم، الذي ظل الشاعر/ الأيقونة، والمحارب الذي قال كلمته كاملة. وقال: "بالنسبة لنا، نحن شعراء العامية، سنذكر له أنه كان واحدا ممن منحوا العامية الفصاحة التي ارتقت بها إلى مدارج القول الرفيع، ما شجعنا على السير وراء خطوه، متلمسين ليس منجزه الشعري فحسب، بل وقيم الشاعر الذي يتعين صونها والحفاظ عليها دفاعا عن الشعر والحياة".
وتضمن هذا الكناش، أيضا، شهادات عن كل من أحمد الطيب لعلج القامة الشعرية التي "تنتصب كحرف الألف"، ومحمد الميموني "الطائر المغرد"، وإدريس الملياني الذي نهل من معين الشعر الروسي الحاضر كخلفية شعرية باذخة، تغذي وعيه ومتخيله الشعري والفني والجمالي، وحسن نجمي "متعهد" الخربشات الشعرية الأولى لكاتب هاته الكناشات، والراحل أحمد بركات، "الشاعر الذي هزم الزلزال"، وعبد اللطيف بنيحيى "بروميثيوس الشعر والإعلام"، ورشيد نيني الذي يعد "حالة شعرية وأدبية قبل أن يكون حالة صحفية وإعلامية"، وعبد الحق بن رحمون الذي "حافظ على ريادة مدينة الشاون الشعرية وعلى مكانتها الثقافية...".
وفي "كناش الأصدقاء"، حكى مراد القادري عن علاقاته مع ستة عشر اسما، في مقدمتها الفنانة الراحلة ثريا جبران، حيث الإسم وحده "كاف للتدليل على أيقونة مغربية خالصة، قادرة على اختزال الزمن المغربي والتأشير على بعض مفاصله ليس في الفن فحسب، بل وفي المجتمع والسياسة والحياة...".
ومن ضمن هذه الأسماء، خص بالشهادة كلا من الأكاديمي والمترجم فرانسيسكو موسكوسو غارسيا، ابن مدينة شريش الأندلسية، الذي قام بدور هام في نقل الشعر المغربي المكتوب بالدارجة إلى لغة سيرفانتيس، والتعريف به في الفضاء الثقافي الهيسباني، والسعودي عبد العزيز السبيل، الذي يسعى إلى ربط مشرق المغرب العربي بمغربه، من خلال فكرة نبيلة هي منتدى الجوائز العربية، الذي دعا، من موقعه كأمين عام لجائزة الملك فيصل العالمية، إلى إحداثه ليكون منصة ثقافية تتيح للجوائز العربية فرص التعارف والتشبيك وتقاسم الخبرات والتجارب، بما يخدم ثقافة التميز والإبداع داخل المنطقة العربية.
وتحكي نصوص وشهادات الكتاب عن لحظات حبور وفرح طبعت محطات فنية وثقافية، ومنها رحلة شعرية شيقة في اتجاه مهرجان الصحراء بتافيلالت، وكان بطلها الشاعر "الشريف المخنتر" إدريس الملياني، ولحظات حزن وألم، من أشدها أثرا فراق صديق الكاتب في غرفة العزل خلال جائحة كورونا.
نقرأ في هذه الشهادة: "كان السي محمد بلفقيه رجلا بأكثر من مرض، ورغم ذلك، فإن الكوفيد لم يشفق عليه. شارك معك أسبوعه الأخير في ليالي العزل. في ليلته الأخيرة، كان يتألم بشدة. لم تقدر على النوم، وفي الصباح، سادت سكينة غير معهودة في الغرفة، التفت، في لحظة، نحو سريره لتطمئن عليه، كما جرت العادة طيلة مدة رفقتكما، لتجده غادر عالم الأحياء".






