وهو ما لم يبلغه علم الاجتماع الكلاسيكي بكل عدّته المفاهيمية. صحيح أن ماركس ميّز بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية، وأن فيبر أضاف إليها بُعد المكانة، لكنهما معاً أغفلا قيمة ثالثة لا تُكتسب إلا بشهادة الآخرين، ولا تتمّ إلا بغيرتهم: قيمة الاستعراض. وهي القيمة التي تُضاف للشيء لمجرد أن يعلم جارك أنك تملكه، ويُستحسن أن يعلم كذلك كم دفعتَ فيه.
ومن هذه القيمة الثالثة تتفرع ظاهرةٌ لا تقل أهمية: التضامن المُصنَّف. إذ يُحبّ المغاربة تكرار أن مجتمعهم "متماسك" و"متضامن"، وهذا صحيح نسبياً. غير أن هذا التضامن يسير وفق قانون صارم، كلّما ارتفع دخل المُتضامِن، كلّما تقلّصت دائرة المُتضامَن معهم. هكذا يتضامن الغني مع الأغنى، ويتضامن الفقير مع الأكثر فقراً، في هرمية صارمة يمكن وصفها بـ"التضامن العمودي المُصفَّح".
وللتحقق من هذه الهرمية، لا حاجة إلى دراسات طولية وعرضية تُنجَز في خمس سنوات، ثم تُنشَر في مجلة لا يقرؤها سوى محرريها، لتخلص أخيراً إلى ما كان يعرفه بائع السجائر برأس الدرب منذ البداية. يكفي أن تنظر إلى ثلاثة أشياء: حجم السيارة، وماركة البدلة، وطريقة نطق اسم الحي الذي يسكنه صاحبُهما؛ فبين من يذكر الحي بتواضع ومن ينطقه كأنه يُلقي خطاباً تأسيسياً، مسافةٌ طبقية كاملة. سيكشف لك هذا الثلاثي ما عجزت مئات الاستمارات البحثية عن التقاطه.
غير أن الأطرف في هذه المعادلة ليس التراتب في حد ذاته، بل الخطاب الذي يُضفى عليه. إذ تمتلك النخبة الاقتصادية المغربية ملكةً نادرة في إعادة كتابة سيرتها الذاتية، فثروتها دائماً وليدة "الجدّ والاجتهاد" و"بركة الوالدين" و"الكفاح الشخصي"، في تجاهل أنيق ومُحكم للامتيازات التعليمية والعلاقاتية والريعية التي رسّخت وضعها. أما من يسأل عن مصادر هذه الثروة بتفاصيل مُحرِجة، فإنه لا يُردّ عليه بحجة، بل يُصنَّف فوراً في خانة "الحسّادة"؛ وهي خانة مطاطة تتّسع لكل سؤال لا تتوفر له إجابة مريحة.
ولا تقتصر هذه المنظومة الرمزية على الخطاب وحده، بل تجد تجلّيها الأبهى في الممارسة اليومية، وتحديداً في الوظيفة الاجتماعية للمناسبات – الخطوبة والحنة وحفل كمالة العطية (لملاك) والأعراس وتسمية المولود والعقيقة والختان...- ؛ كل هذه المحطات تُشكّل معاً منظومة إعادة توزيع اجتماعي لا تضاهيها أي سياسة حكومية، لا في الفعالية ولا في الإلزامية ولا في العقوبات غير المكتوبة لمن يتهاون فيها.
وتتجلى عبقرية هذه المنظومة في أن ضحاياها يُديرونها بأنفسهم بكل طواعية. إذ يمكن لأسرة مغربية متوسطة أن تُنفق في عرس واحد ما يعادل مدخرات خمس سنوات، دون أن يعتريها شك يُذكر. وحين تسألها عن المنطق، تجيبك بعبارة سوسيولوجية بالغة العمق: "بغيتي نتحاشمو مع الناس". و"الناس" هنا كيان غامض وقوي لا وجه له ولا عنوان ولا رقم هاتف، لكنه يُملي على الأسرة قائمة إلزامية تشمل: أوركسترا، وعشاء من أكلتين أو ثلاث، وفستان مستورد، ومصوّر فوتوغرافي يُخلّد لحظات السعادة المديونة لسنوات قادمة.
والأمرّ في هذه المعادلة أن الضيوف أنفسهم الذين يفرضون البذخ هم بدورهم ضحايا المنظومة ذاتها في مناسباتهم الخاصة. فالجميع يتنافس على إرضاء طرفٍ وهمي لا يُرضى، ويُنفق اتقاءً لحكمٍ لا يصدره أحد بعينه، ضمن ما يمكن تسميته بـ"حلقة الإنفاق العبثي المتبادل". ومن رحم هذه الحلقة تحديدًا وُلد نموذجٌ إنساني قد لا تعثر له على نظير في أدبيات علم الاجتماع المقارن: "المُفلِس الكريم"... إنه ذاك الشخص الذي لا يملك ما يكفيه، لكنه يُنفق بسخاء مذهل كلّما دعت الحاجة الاجتماعية. يدفع ثمن قهوة مجالسيه بنفس اليد التي تعرف أن الثلاجة في البيت شبه فارغة، ويُرسل هدية لخطوبة ابن عمّه حين يكون الإيجار متأخراً، ويقترض ليُقرض، في دوامة كرم طائي لا تنتهي ولا تُحاسَب. ولا تظنّن أنه يفعل ذلك حبّاً في التبذير أو جهلاً بحساباته؛ فهو على الأرجح يعرف رصيده إلى الدرهم الأخير. غير أن ماء الوجه في المنظومة القيمية المغربية يُقدَّر بأعلى من أي رصيد، وهو قرار عقلاني تماماً في سياقه: لأن فقدان ماء الوجه اجتماعياً يعني خسارة شبكة العلاقات التي قد تُنقذك غداً من الفقر الفعلي. المُفلِس الكريم، إذن، لا يُبذّر، بل يستثمر في الرأسمال الاجتماعي؛ هكذا كان سيقول بورديو، لو كان مغربياً.
وبعد هذه الجولة في تضاريس المال المغربي، لا يسع الناقد الاجتماعي إلا أن يُقرّ بأن الدرهم بريءٌ من معظم ما نُحمّله إيّاه. فالمشكلة لا تكمن في العملة ذاتها، بل في الأنظمة الرمزية والثقافية التي تُحوّلها من وسيلةٍ للتبادل إلى غايةٍ في ذاتها، ومن أداةٍ اقتصادية إلى هوية اجتماعية، ومن رقمٍ في الجيب إلى معيارٍ شبه مطلق لقيمة الإنسان.
في نهاية المطاف، يبقى المجتمع المغربي بكل تناقضاته وظرافته وكرمه وسخريته العميقة من نفسه، مجتمعاً حيّاً يتشكّل ويُعيد بناء نفسه باستمرار. وربما تكمن فيه بذور نقد ذاتي صادق، حين يبدأ المغربي بالسؤال الجوهري: هل أنفق لأنني أريد، أم لأن "الناس" تريد؟ وريثما يأتي الجواب — وقد يطول الانتظار — سيواصل ارتشاف كأس شايه على جرعتين، مُطلقاً ذلك الصوت المألوف الذي لا يكتمل طقس الشاي المغربي إلا به، ينتظر تحويل آخر الشهر، ويحلم بشقة عالية المواصفات في حي راق، وأول ما يتبادر إلى ذهنه ليس متى سيسكنها، بل كيف سيستقبل فيها الأقارب استقبالاً يليق، ويقول بكل اطمئنان: "الله غالب، وغداً أحسن من اليوم". وفي هذه الجملة وحدها — بما تحمله من رضا مُركَّب ومقاومة ناعمة وتفويض هادئ للقضاء والقدر وللآخرة — قد يكمن أعمق درس في الفلسفة الاقتصادية المغربية. درسٌ لم يجرؤ كينز ولا فريدمان على كتابته، لأنه ببساطة لا يُكتب بل يُشرَب.
ملحوظة:
هذا المقال نقدي ساخر يستهدف أنماطًا اجتماعية عامة لا أفرادًا بعينهم؛ لذلك فإن أي تشابه بينه وبين واقعك الشخصي ليس محض صدفة، بل دليل إضافي على أن علم الاجتماع — خلافًا لكثير من المجاملات اليومية — لا يكذب.






