فن وإعلام

فسحة الروح...«لن أقتفي غير أثري»

ميمونة الحاج الداهي

ما ظننتُ يومًا أنّ فهرسًا قد يُشبه دفترَ نبوءاتٍ مُوحِشة، حتّى وقعتُ على عناوين «لن أقتفي غير أثري».

أيُّ روحٍ هذه التي تكتب:

«أنا الآن أمشي»،

ثم تُعقِّبها بـ «قُمْ إلى النَّهر وادخلْ في الصلاة»،

ثم تمضي إلى «كتاب الحج»، و «حكيم العُميان»، و «سُمرة الماء»، و «البشرى مفتاح هذا العَماء»؟

كأنّ صاحبَ هذا الديوان لا يخطُّ القصائد، بل يقطعُ مفاوزَ نفسِه حافيَ الرُّوح، مُثقَلًا بذلك الحزن العارف الذي لا يضجُّ، وإنّما يتسرّبُ هادئًا كالماءِ في شقوقِ الحجر.

لقد بلغني هذا الديوانُ هديّة من كاتبه، غير أنّه بدا لي كالهِبة التي تُربكُ صاحبَها؛ لأنّ بعضَ الكُتب لا تُضافُ إلى مكتبتنا، بل تُضافُ إلى أعمارِنا.

وفي كلِّ صفحةٍ منه، كنتُ أشعرُ أنّ اللغةَ قد خُلِقَتْ مرّةً أخرى، لا لتُبهرَ البلاغة، بل لتسترَ ارتعاشَ القلب وهو يبوح.

ثمّةَ نصوصٌ تمرُّ بنا، ونصوصٌ تُقيمُ فينا كالأثرِ القديمِ في جدارِ خَرِب.

وهذا الديوان من ذلك الضرب الذي إذا فرغتَ منه، لم تعدْ كما كنتَ قبلَه.

كأنّك خرجتَ من صحراءِ روحٍ أخرى، وعلى ثيابك شيءٌ من غبارها المقدّس..

إسماعيل محمد فال هموني