وبحسب تقرير حديث صادر عن مركز التفكير الأمريكي "ستيمسون سنتر" (Stimson Center)، فإن هذا الاختراق الدبلوماسي وضع واشنطن أمام تشخيص دقيق لواقع المنطقة، مشيراً في المقابل إلى أن الجزائر لا تزال تمثل العقبة الأساسية أمام تحقيق الاندماج الإقليمي في المغرب العربي، نظراً لإصرارها على معارضة مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لحل نزاع الصحراء.
وأوضح المركز الأمريكي في قراءته التحليلية للسياسات الإقليمية، أن التحركات الدبلوماسية للمغرب شهدت زخماً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة برؤية استراتيجية يقودها العاهل المغربي الملك محمد السادس.
وقد تجسد هذا التوجه في جولات رسمية شملت أكثر من ثلاثين دولة إفريقية، وأسفرت عن توقيع عشرات الاتفاقيات الثنائية التي غطت مجالات حيوية كالتجارة، والاستثمار، وتطوير البنية التحتية، والتعاون الزراعي، والتكوين الديني، مما يكرس مكانة المملكة كشريك موثوق ومحوري في عمقها الإفريقي جنوب الصحراء.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاندماج القاري، أبرز التقرير الخطوات المتقدمة التي اتخذتها المملكة، بدءاً من انضمامها الفعلي إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وصولاً إلى تقديم طلب العضوية في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إكواس"، وهو الملف الذي لا يزال قيد الدراسة.
ويتزامن هذا الحراك الدبلوماسي مع تمدد لافت للشركات الاستثمارية المغربية في الأسواق الإفريقية، ولا سيما في قطاعات الاتصالات والخدمات البنكية والمصرفية التي باتت تلعب دوراً قيادياً في غرب ووسط القارة، مستشهداً بالفروع الإقليمية لشركة "اتصالات المغرب" في دول مثل مالي وموريتانيا والغابون وبوركينا فاسو.
وفي سياق متصل، اعتبر مركز "ستيمسون" أن المشاريع السيادية الكبرى، مثل الشراكة الاستراتيجية لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) في تطوير الزراعة الإفريقية، ومشروع أنبوب الغاز الأطلسي بين نيجيريا والمغرب، تمثل ذروة الطموح الاستراتيجي للمملكة.
ويُعد مشروع الأنبوب الأطلسي أحد أضخم مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة، ويهدف إلى ربط موارد الغاز في غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية عبر التراب المغربي، مما يمنح الرباط موقعاً استشرافياً ومحورياً في معادلات الأمن الطاقي بين إفريقيا وأوروبا ويعزز فرص التكامل الإقليمي.
ولم يغفل التقرير الدور الذي تلعبه "القوة الناعمة" للمغرب في أبعادها الدينية والثقافية، حيث نجحت المملكة في مد جسور التواصل الروحي مع دول إفريقية فرنكوفونية من خلال برامج تكوين الأئمة والمرشدين الدينيين داخل المعاهد والمؤسسات المغربية، فضلاً عن تقديم الدعم الأكاديمي والتبادل التعليمي.
وقد انعكست هذه المقاربة الشاملة إيجاباً على ملف الوحدة الترابية للمملكة، حيث أدت هذه الدينامية الدبلوماسية إلى تراجع العديد من الدول الإفريقية عن اعترافها بالكيان الانفصالي، وتوجت بافتتاح قنصليات ديبلوماسية لعدة عواصم إفريقية في مدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية.






