فالهرگاوي ليس فقيرًا بالضرورة، ولا غنيًا بالضرورة، وليس الانتماء الطبقي هو الأصل في هذا الوصف، إنما الأصل هو السلوك؛ طريقته في الحضور بين الناس، وكيفية تعامله مع الفضاء المشترك، ومدى إدراكه أن العيش مع الآخرين لا يقتصر على وجود جسدي، هو فنٌّ من فنون الاحترام. فالهرگاوي هو ذلك الذي يدخل المكان كأنه وحده فيه، ويرفع صوته حيث يليق الهدوء، ويصنع الفوضى حيث يُنتظر النظام، ويتصرف بمنطق الاستحواذ لا بمنطق المشاركة.
تراه في الحافلة يتحدث بصوتٍ يملأ المقاعد كلها، وكأن الآخرين خُلقوا ليستمعوا إلى مكالمته الخاصة. وتراه في الطابور لا يعترف بفكرة الانتظار، فيتسلل إلى المقدمة كأن المكان ملكه وحده، وكأن صبر الناس مجرد ديكور لا قيمة له. وتراه يرمي بقايا الطعام من نافذة السيارة، أو يترك كيس النفايات بجانب الحاوية بدل أن يضعه فيها، ثم يمضي مطمئنًا كأن المدينة خادمةٌ مجهولة ستتكفل بالباقي. وتراه في الحي يوقف سيارته فوق الرصيف، غير عابئ بعجوزٍ تحتاج المرور، أو أمٍّ تدفع عربة طفلها. هذه التفاصيل الصغيرة، التي يستهين بها البعض، هي التي تصنع في النهاية معنى “تهرگاويت”.
ولعل أصل اللفظة يعود إلى الجذر العربي “هرج” فأبدلت العامة حرف الجيم جيما غير معطشة (گ)، والهرج في لسان العرب هو اختلاط الأمور، وكثرة الفوضى، واضطراب النظام، وقد جاء في مقاييس اللغة لابن فارس: “هرج: الهاء والراء والجيم .. أصلٌ صحيح يدلُّ على اختلاطٍ وتخليط. منه: هَرَّجَ الرَّجُل في حَدِيثه: خَلَّط. ..”، ومع التداول في لسان العامة صار اللفظ نفسه يحمل إيحاءً بالضجيج والفساد وفقدان الترتيب. ومن هنا نفهم أن “الهرگاوي” هو ابن هذا الهرج؛ إنسان لم يتعلّم الحدود الدقيقة بين حريته وحق غيره، بين حضوره الشخصي واحترام المجال الجماعي، بين أن يعيش وبين أن يترك الآخرين يعيشون.
“الهرگاوي” لا يُفسد المكان لأنه شرير بالضرورة، بل لأنه لم يتربَّ على فكرة أن الفضاء العام أخلاق قبل أن يكون إسفلتًا وجدرانًا. فالمدينة ليست عمارات شاهقة فقط، إنما سلوك يومي؛ هي كيف تقف، وكيف تعبر، وكيف تتكلم، وكيف تترك وراءك أثرًا نظيفًا أو فوضى صامتة.
وفي الحس الشعبي المغربي، تُقال الكلمة غالبًا بنبرة تهكم أو نقد اجتماعي، للدلالة على ما يُعرف اليوم في الفرنسية بـ Les Incivilités، أي تلك السلوكيات الصغيرة التي لا تُعد جرائم كبرى، لكنها تُرهق الحياة اليومية وتُفسد المعاش المشترك: الصراخ في الأماكن العامة، الاعتداء اللفظي، احتلال الرصيف، الفوضى في الطوابير، تشغيل الموسيقى بصوتٍ مرتفع في منتصف الليل، الشغب والعبث بالمرافق المشتركة، أو التعامل مع الشارع بمنطق الغلبة لا بمنطق الاحترام .. وربما يدخل أحدهم إلى مقهى فيرفع صوته ضاحكًا مقهقها كأنه جاء ليُعلن وجوده لا ليجلس، أو يضع هاتفه على مكبر الصوت في مكان عام، غير شاعر أن الآخرين ليسوا جزءًا من مسرحه الخاص. وقد يشتري بيتًا في عمارة حديثة، ثم يتعامل مع السلم المشترك وكأنه ساحة خلفية لبيته القديم، فيرمي فيه ما شاء، ويترك الفوضى خلفه ثم يستغرب ضيق الجيران. هنا لا يكون الفقر هو المشكلة، لكن الفقر المبين هو غياب التربية المدنية.
ومن هنا اكتسبت الكلمة بعدًا سوسيولوجيًا أيضًا، إذ صارت تُستعمل أحيانًا استعمالًا طبقيًا تمييزيًا، بل قد تميل أحيانًا إلى شيء من القسوة الاجتماعية وقد عم تهكمهم فقالوا: “الهرگاوي هرگاوي واخا تلبسوا الحرير” على غرار المستملح العربي “القرد قرد حتى ولو لبس الحرير” ذلك أن سلوك الإنسان ينبع من جوهره لا هندامه أو كما يقول المثل الفرنسي « L’habit ne fait pas le moine » ، وخاصة حين تُطلق على بعض الفئات الشعبية أو القروية حين تدخل الفضاء الحضري دون أن تستبطن قواعده الثقافية الجديدة. وهنا ينبغي الحذر؛ لأن المشكلة ليست في الأصل الاجتماعي .. المشكلة تظهر في السلوك نفسه. فقد يكون الإنسان بسيطًا جدًا، لكنه راقٍ في تعامله، يعرف كيف يترك المكان أفضل مما وجده. وقد يكون ميسورًا جدًا، يسكن أرقى الأحياء، لكنه “هرگاويّ” في طبعه، لأن التمدّن لا يُقاس بثمن العطر ولا بنوع السيارة ولا بربطة العنق، إنما يقاس بأدب العيش مع الناس.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، خرجت اللفظة من الأزقة إلى العالم الرقمي، وصارت تُطلق على كل سلوك غير حضاري، حتى أصبحت نوعًا من المحكمة الشعبية اليومية. فكل ڤيديو لفوضى، أو تعدٍّ، أو استعراض فجّ، يجد في التعليقات حكمًا سريعًا: “هذا هرگاوي”. وكأن المجتمع، حين يعجز عن العقاب القانوني، يلجأ إلى العقاب الرمزي عبر اللغة، فيُدين السلوك بالكلمة، ويجعل اللفظة نفسها وصمة اجتماعية.
وهكذا، فالهرگاوي في مجتمعنا هو صورة لاختلال أعمق: غياب التربية المدنية، وضعف الإحساس بالمشترك، وانفصال الفرد عن فكرة المسؤولية الجماعية. إنه ليس مشكلة فردٍ فقط، بل مرآة لخلل تربوي وثقافي أوسع. فالتمدّن لا يبدأ من العمارات العالية، ولا من المقاهي الفاخرة، ولا من الأحياء الجديدة .. التمدن يبدأ من احترام الرصيف، ومن خفض الصوت، ومن فهم أن الشارع ليس ساحةً للفوضى، بقدر ما هو عقد أخلاقي صامت بين الناس. فالمدينة لا تُقاس بعلوّ البنايات، بل بقدرة أهلها على أن يمرّوا فيها دون أن يؤذوا أحدًا… فمن لم يتعلّم أدب المكان، بقي “هرگاويًّا” ولو لبس ثيابا فاخرا.






