سياسة واقتصاد

راس بلا كتاف.... دعم ماذا بالضبط؟

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

دعم القدرة الشرائية للمواطن، أم دعم شهية السوق لابتلاع المزيد من المال العام؟

هذا السؤال لم يعد بالنسبة لي مجرد انفعال عابر أو رد فعل غاضب على موجة غلاء، بل أصبح سؤالا سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا حقيقيا، وأنا أتابع المعطيات المنشورة في العدد الثالث من مجلة “ملفات” حول كلفة الدعم العمومي المرتبط باستيراد الأبقار والأغنام ودعم الأعلاف.

الدولة، بحسب الأرقام نفسها، تحملت حوالي 76 مليار درهم.

نعم، 76 مليار درهم كاملة.

منها:

22,3 مليار درهم بسبب وقف رسوم استيراد الأبقار،

6,4 مليار درهم بسبب وقف رسوم استيراد الأغنام،

12,8 مليار درهم لدعم الأعلاف والحفاظ على القطيع،

إضافة إلى مليارات أخرى مرتبطة بالنقل والقمح.

وحين يقرأ المواطن المغربي هذه الأرقام، فمن الطبيعي أن يتوقع أثرًا واضحًا داخل حياته اليومية.

أن يشعر، ولو نسبيا، أن الدولة تخوض معركة فعلية لحمايته من هذا الانهيار البطيء للقدرة الشرائية.

لكن الذي حدث فعليا هو شيء آخر تماما، المليارات صُرفت، والأسعار بقيت متوحشة، والقدرة الشرائية واصلت نزيفها بصمت ثقيل.

اللحوم ما تزال تُباع كأن المغرب يستورد الأبقار من كوكب بعيد، لا بعد أن ألغت الدولة الرسوم الجمركية وتحملت الضرائب وفتحت باب الاستيراد على مصراعيه.

وهنا يبدأ قلقي الحقيقي.

لأن المشكلة لم تعد فقط في الغلاء، بل في هذا النموذج الكامل من التدبير الذي يجعل المواطن يسمع عن “الدعم” أكثر مما يشعر به.

أنا لا أكتب بمنطق المعارضة الانفعالية، ولا بمنطق تصفية الحسابات السياسية، بل بمنطق مواطنة تحاول فهم أين يختفي أثر كل هذه الأموال.

كيف يمكن لدولة تضخ كل هذه المليارات، ثم يظل المواطن عاجزا عن شراء اللحم دون حسابات مرهقة وتأجيلات وشعور دائم بالخوف من نهاية الشهر؟

كيف يمكن لحكومة تتحدث بهذا الفخر عن “التدخل لحماية القدرة الشرائية”، بينما المواطن أصبح يتعامل مع أبسط ضروريات الحياة بمنطق الطوارئ؟

المؤلم بالنسبة لي ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل التحول النفسي الذي بدأ يصيب المجتمع.

لقد أصبح المغربي يعتاد تدريجيا على فكرة أن اللحم ليس غذاء عاديا، بل مناسبة.

ويعتاد على فكرة أن السوق مكان للعجز لا للاستهلاك، ويعتاد على فكرة أن الراتب، مهما كان متوسطا، لا يكفي أصلا لحياة مستقرة، وهذا في حد ذاته مؤشر مقلق جدا.

لأن الفقر لا يبدأ حين يفرغ الجيب فقط، بل حين يبدأ الإنسان في تخفيض سقف حقه الطبيعي في العيش الكريم.

الأكثر إثارة للريبة أن الملف نفسه مرتبك في أرقامه حيث أن الحكومة تحدثت عن استيراد حوالي 386 ألف رأس من الأغنام في إطار دعم عيد الأضحى لسنة 2023، بينما تظهر معطيات أخرى مرتبطة بمكتب الصرف تتحدث عن حوالي 875 ألف رأس خلال الفترة نفسها.

والحديث هنا ليس عن فرق بسيط يمكن تجاوزه، بل عن مئات الآلاف من الرؤوس داخل ملف التهم مليارات الدراهم من المال العام.

و إذا تضاربت الأرقام بهذا الشكل، يصبح من الطبيعي أن يبدأ المواطن في طرح السؤال الأكثر إحراجا، من الذي شعر فعلا بهذا الدعم؟

لأن المواطن، بصراحة، لم يشعر إلا بالاختناق، اختناق السوق و اختناق المعيشة و اختناق القدرة على تدبير أبسط تفاصيل الحياة دون قلق دائم.

بل إنني أعتقد أن أكثر ما رسخته هذه الحكومة ليس فقط الغلاء، بل اعتياد المواطن التدريجي على فكرة التحمل المستمر.

كل مرة يقال لنا، هناك جفاف، هناك أزمة عالمية، هناك تضخم دولي، هناك حرب.

لكن لا أحد يجيب عن السؤال البسيط، إذا كانت كل الأزمات تُبرر الغلاء، فما الذي تبرره كل هذه المليارات التي صُرفت باسم المواطن؟

القلق الذي يسكنني اليوم ليس فقط ما نعيشه الآن، بل ما قد نصل إليه لاحقا إذا استمر هذا النوع من التدبير لخمس سنوات أخرى بالعقلية نفسها.

إلى أين سيصل هذا الاختناق؟

هل سيصبح اللحم رفاهية كاملة؟

هل ستتحول الطبقة المتوسطة إلى طبقة تبحث فقط عن النجاة آخر كل شهر؟

هل سيصبح الاستقرار المعيشي امتيازا لا حقا؟ وهل سنصل إلى مرحلة يصبح فيها المواطن ممتنا فقط لأنه ما يزال قادرًا على شراء الأساسيات؟

المقلق حقا ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل اعتياد السلطة على تبريرها، واعتياد المواطن على احتمالها.

لأن الفقر ليس أسوأ ما يمكن أن يحدث لنا كمغاربة، بل أن نقتنع تدريجيا أن الاختناق قدر اقتصادي طبيعي، وأن النجاة الفردية أهم من مساءلة السياسات العمومية.

وحين يصل المواطن إلى هذه المرحلة، تصبح الأزمة أعمق من السوق… تصبح أزمة وعي كامل..

شكرا للزملاء الأفاضل بمجلة “ملفات” على هذا الجهد المهني الرصين، وعلى الجرأة الصحفية التي ما تزال تؤمن أن وظيفة الإعلام ليست تزيين الواقع، بل مساءلته بذكاء ومسؤولية.