مجتمع وحوداث

من أزمة التنظيم الذاتي إلى وهم الامتياز المهني أو حين يتحول الانشغال بالصفة إلى هروب من سؤال الجامعة

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

في ضوء ما سبق بسطه، في مقالات سابقة ، حول اختلالات منظومة الترقية الجامعية وما أفرزته من تحولات قيمية ومعرفية داخل الحقل الأكاديمي، يبرز نقاش موازٍ لا يقل دلالة عن أزمة التنقيط والاستحقاق، ويتمثل في إصرار بعض الجامعيين على المطالبة بالانضمام إلى مهنة المحاماة، رغم ما يثيره ذلك من إشكالات قانونية ومؤسساتية مرتبطة بمبدأ التنافي وطبيعة الوظيفة العمومية. فبدل أن يتجه الجهد الجماعي نحو تقوية التنظيم الذاتي للجامعة، وتطوير العمل النقابي الأكاديمي، والدفاع عن البحث العلمي وشروط استقلاليته، يتم تحويل النقاش أحيانًا نحو البحث عن امتيازات مهنية موازية خارج المجال الجامعي نفسه.

وهنا يبرز سؤال جوهري: ما القيمة المضافة التي يمكن أن يحققها هذا التوجه للجامعة أو للمعرفة أو للمرفق العمومي، في الوقت الذي تعاني فيه المؤسسة الجامعية أصلًا من هشاشة في بنيات التأطير الذاتي، وضعف في الترافع الأكاديمي الجماعي، وخصاص واضح في إنتاج النخب العلمية القادرة على الدفاع عن استقلال الجامعة ووظيفتها المعرفية؟

إن الإشكال لا يتعلق فقط بحق فردي مفترض في توسيع مجالات الاشتغال، بل بطبيعة التصور الذي يحكم علاقة الأستاذ الجامعي بمهنته الأصلية. فحين تصبح الجامعة فضاءً وظيفيًا غير كافٍ لتحقيق الاعتراف أو النفوذ أو الامتياز الرمزي، يتحول الانتماء الأكاديمي تدريجيًا من مشروع معرفي إلى مجرد وضع إداري قابل للاستثمار المهني الموازي. وهنا يكمن الخلل القيمي العميق، لأن الجامعة ليست وظيفة عابرة، بل رسالة علمية ومجتمعية يفترض أن تقوم على التفرغ النسبي للإنتاج المعرفي والتأطير والتكوين والبحث.

والأخطر من ذلك أن هذا النقاش يجري أحيانًا بمعزل عن مساءلة الأعطاب البنيوية التي يعرفها الحقل الجامعي نفسه. فبدل الانخراط في معركة إصلاح منظومة البحث العلمي، وتحسين شروط التأطير، وتطوير الحكامة الجامعية، وتعزيز التنظيمات المهنية والأكاديمية المستقلة، يتم توجيه جزء من النقاش نحو البحث عن منافذ مهنية بديلة، وكأن الأزمة الحقيقية ليست أزمة جامعة ومعرفة، بل أزمة تموقع فردي داخل سوق الامتيازات.

إن مبدأ التنافي، في جوهره، ليس مجرد قيد قانوني جامد، بل يعكس فلسفة مرتبطة بطبيعة بعض الوظائف العمومية التي تستدعي قدرًا من الاستقلالية والتفرغ وتجنب تضارب المصالح. لذلك فإن أي نقاش جدي حول العلاقة بين الجامعة والمحاماة لا ينبغي أن يُختزل في مطلب فئوي أو نقابي ضيق، بل يجب أن يُطرح في سياق أوسع يتعلق بطبيعة الدولة المعرفية نفسها، وبحدود التداخل بين الوظائف التي تقوم على منطق الخدمة العمومية والوظائف التي ترتكز على الاستقلال المهني والتمثيل الخاص للمصالح.

ثم إن المفارقة اللافتة تتمثل في أن بعض الأصوات التي ترفع مطلب الجمع بين الوظيفة الجامعية ومهنة المحاماة لا تبدي الحماسة نفسها تجاه معارك إصلاح الجامعة من الداخل، سواء تعلق الأمر بالدفاع عن البحث العلمي، أو تطوير أخلاقيات المهنة الجامعية، أو تعزيز استقلالية المؤسسة الأكاديمية، أو تجويد آليات التنظيم الذاتي. وكأن الانشغال بالموقع الخارجي أصبح يتقدم على سؤال الإصلاح الداخلي.

ومن هنا يحق التساؤل: كيف يمكن الحديث عن قيمة مضافة لمهنة المحاماة داخل الجامعة، في حين أن الجامعة نفسها تعاني من خصاص في التأطير الأكاديمي والتنظيمي والنقابي؟ وكيف يمكن الدفاع عن توسيع مجالات الاشتغال خارج المؤسسة، بينما تعجز النخب الجامعية عن بناء قوة اقتراحية جماعية قادرة على حماية الجامعة من التهميش والبيروقراطية والكولابس القيمي؟

إن الجامعة المغربية اليوم لا تحتاج فقط إلى مراجعة مساطر الترقية أو توسيع الامتيازات المهنية، بل تحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء معنى الانتماء الأكاديمي نفسه، وإلى إحياء فكرة الأستاذ الباحث باعتباره فاعلًا معرفيًا ومجتمعيًا، لا مجرد موظف يبحث عن منافذ مهنية إضافية. فالأزمة في عمقها ليست أزمة حقوق مهنية فحسب، بل أزمة تصور لوظيفة الجامعة ولدور المعرفة داخل المجتمع والدولة. 

فلنترقب التيمة المقبلة المفصلة حول "" في الحاجة إلى افتحاص معرفي لتفادي الكولابس القيمي / من سؤال الترقية الجامعية إلى سؤال العدالة المعرفية ""