نبيل لحلو، المولود في مدينة فاس عام 1945، يعدّ أحد أعمدة المسرح الطليعي في المغرب، وأحد أبرز وجوه ما يعرف بـ «سينما المؤلف»، حيث عرف بجرأته وأسلوبه النقدي الساخر والمتمرد على القوالب التقليدية. تلقى الراحل دراسته المسرحية في فرنسا، وخلّف إرثا سينمائيا مميزا تمثل في أفلام: «القنفوذي» (1978) و»الحاكم العام» (1980) و»إبراهيم ياش» (1982) و»نهيق الروح» (1984) و»سنوات المنفى» (2002).
لكن الركيزة الأساسية في مساره الفني كانت المسرح، الذي طبع من خلاله الركح المغربي بأسلوب خاص ورؤية متميزة وشغف إبداعي، ظل يسكنه حتى أيامه الأخيرة. وتبقى مسرحياته شاهدة على ذلك، مثل «المليارديرات» سنة 1968، و»أوفيليا لم تمت» (1968)، وغيرها.
وتجسد هذا الإخلاص للمسرح في مقاومته للمرض، حتى بدا لكثيرين أنه لا يعاني من أي وعكة، إذ عرض، قبل وفاته بأسبوعين، مسرحيته الجديدة «ماشا مشمشة تريد دورا في فيلم محاكمة سقراط» على خشبة مسرح محمد الخامس في الرباط، يوم 26 نيسان/أبريل المنصرم. ترك رحيله حزنا كبيرا في أوساط الفنانين والمثقفين والإعلاميين، ونعاه الكثيرون باعتباره «صوتا متميزا أغنى المسرح والسينما المغربيين بأعمال جريئة وإسهامات فكرية دافعت عن حرية الإبداع». وبالنسبة إلى الصحافي والكاتب عمر أوشن، فإن «نبيل لحلو لم يمت مكسورا أو باهتا، بل مات واقفا كالأشجار، وفي قلبه عنفوان الشباب وشعلة التمرد التي لم تطفئها ثمانون سنة». وأضاف، متحدثا لـ»القدس العربي»، أن «مسرحيته الأخيرة كانت بمثابة الجزء الثاني من سيرته الذاتية، وعرضا وداعيا باح فيه بكل شيء، حكى عن ولادته في فاس، ومتاهات الوجود، ورحلاته من بيروت ودمشق وصولا إلى أوروبا، وكأنه كان يضع لمساته الأخيرة على لوحة حياته المليئة بالفن والغضب والفرح».
وفي مسرح محمد الخامس، يقول عمر أوشن: «رأيته يواجه قدره بطاقة مذهلة، محطما قيود الشيخوخة والكرسي المتحرك، ليطلق صرخة أخيرة ضد الزمن الجامد وعالم قاس يضج بالمدعين. لقد صفّى حساباته مع الجميع بأسلوبه المعهود (شرح ملح)، أثنى على النبلاء والمناضلين الحالمين بمغرب جديد، وأطلق نيرانه على جماعة الخوف والغنيمة». ويرى أوشن أن «نبيل رحل وهو يحرث في أرض الفن، حتى حين يغيب الجمهور، مخلصا لمبادئه، متمردا على النمطية، ومؤمنا بأن المسرح معركة كرامة وعدالة. لم يترك خلفه عقارات أو عمارات، بل ترك إرثا عصيا على النسيان، وكتابا مفتوحا لمن يريد السير في طريق الحرية».
واختتم المتحدث بقوله: «وداعا سي نبيل.. لقد بلّغت الرسالة، ونمت قرير العين، فقد عشت كبيرا ورحلت كبيرا».
من جهته، عبّر الكاتب عبده حقي عن حزنه العميق لوفاة نبيل لحلو، مؤكدا لـ»القدس العربي»، برحيله تطوى صفحة استثنائية من تاريخ المسرح المغربي، خطّها فنان اختار «الطريق الصعب والشقي»، وظل وفيا لقناعاته الفكرية، رغم كل التحولات. وحسب المتحدث، فقد انحاز الراحل إلى الوعي لا إلى الشباك، وتميزت أعماله بالانزياح عن السائد، حيث انتصرت لغة المسرح لديه للنقد والسؤال والبحث عن المعنى، مفضلا الجرأة والتجريب على «التصفيق السهل» وإرضاء شباك التذاكر. واعتبر عبده حقي أن رحيله لا يمثل فقدان مخرج أو ممثل فحسب، بل خسارة لجيل آمن بأن المسرح مساحة حقيقية للتفكير وبناء الوعي. لذلك سيظل نبيل لحلو صوتا مميزا في الذاكرة الثقافية المغربية، بعدما ترك خلفه إرثا فنيا طويلا وشاقا سيظل شاهدا على مسار لم يعرف المساومة.
أما الفنان عبد الحق بلمجاهد، فاعتبر نبيل لحلو الفارس الذي رفض «تزويق» الواقع. ولخص، في شهادة مؤثرة، عقودا من الرفقة المهنية والإنسانية، واصفا إياه بـ «فنان متفرد لا يتكرر»، ومؤكدا أن الساحة الفنية فقدت صوتا واقعيا كان يعبر عن قضايا الفن في البلاد من دون مجاملة أو زيف. وأكد بلمجاهد، متحدثا لـ»القدس العربي»، أن نبيل لحلو كان يرفض «عملة النفاق» السائدة، ويميل إلى تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، فكان يرى الأمور إما بيضاء أو سوداء، بعيدا عن أساليب التجميل أو التزويق. واستذكر بداياته مع الراحل قبل أكثر من عشرين سنة، حين قبله لحلو مساعد مخرج في مشروع مسرحي، رغم أنه كان معروفا برفضه المبدئي لفكرة «مساعد المخرج». وأشار بمرارة، إلى أن لحلو دفع ثمن صراحته وتشبثه بمبادئه من خلال، «تجاهل مشاريعه السينمائية والمسرحية»، ومحاربته من طرف جهات عدة. كما انتقد بشدة حالة «السكيزوفرينيا» التي طبعت تعامل البعض مع الراحل، مشيرا إلى أن هناك من حاربوه في حياته وضيقوا عليه، بينما يسارعون اليوم إلى رثائه والحديث عنه بإيجابية.
واختتم بلمجاهد شهادته بالتأكيد على أن رحيل نبيل لحلو يمثل خسارة لنوعية نادرة من المبدعين، الذين طبعوا تاريخ الفن المغربي بلمسة من العنفوان والاستقلالية.
ووصفه الفنان رشيد الوالي، في تدوينة على «فيسبوك»، بأنه «الروح التي تعيش فوق الخشبة»، مؤكدا أن الفقيد لم يكن مجرد اسم عابر، بل قامة فنية عشقت الفن حتى الإنهاك. وفي تدوينة مماثلة، رأى الفنان بوحسين مسعود، أن رحيل نبيل لحلو لا يمثل فقدان فنان كبير فحسب، بل رحيل «روح الطليعة المتمردة» التي اتخذها الفقيد أسلوبا للحياة والفن معا. ووصف «شغب» الراحل الجميل بأنه إبداع خالص، مشيرا إلى أنه كلما تراكمت سنوات عمره ازداد شغفه الطفولي وتطلعه إلى الأمام، وظل متمسكا بالمسرح حتى رمقه الأخير.
وبالنسبة إلى الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، فإن لحظة رحيل نبيل لحلو بدت «كأن خشبة كاملة أطفأت أنوارها دفعة واحدة». وأضاف، في تدوينة، أنه «برحيله نفقد ذلك الصوت المغربي النادر الذي كان يملك شجاعة الوقوف وحيداً في وجه القطيع، من دون أن يهادن الذوق السهل أو يطلب رضا أحد».
ووصف الناقد خالد أمين رحيل نبيل لحلو، بأنه انكسار لـ»أصلب المرايا» التي واجه بها المغرب المعاصر تناقضاته. واعتبر أن لحلو لم يكن مجرد فنان، بل «جسدا كليا» اختزل أدوار الكاتب والممثل والمخرج في معارك فنية للمقاومة والرفض.
فيما ودع الناقد عز الدين بونيت نبيل لحلو «وداعا إلى أفق لا حدود للحلم فيه.. كما تحب». وخاطبه قائلا: «كنت غيمة من شغب الروح تظللنا حينا بعد حين». وأضاف: «اليوم تغادرنا خفيفا شفيفا كما أنت، حين ترضى وحين تغضب وحين تقسو وحين تضحك ملء شدقيك».






