أصبحت “التهركاويت” في نظري تجسد مفهوما يشرح اختلالا أخلاقيا دقيقا و هو أن تملك موهبة، ثم تختار أن توظفها ضد المعنى. ضد من يشبهونك. ضد الشق الأكثر هشاشة في هذا البلد.
لم تعد الموهبة امتيازا بريئا، أراها موقعا.. موقعا داخل معادلة القوة. من يٌضحك الناس لا يقف خارج اللعبة، بل يساهم في ضبط إيقاعها. لذلك، حين يتحول الفقير إلى مادة ساخرة، وحين يُعاد تدوير جهله في مقاطع قصيرة ترفع نسب المشاهدة، فالمسألة لا تُقاس بخفة الدم… بل بثقل ما يُمرَّر تحتها.
التهركاويت، ليست أن تضحك. بل أن تختار من تضحك عليه. أن تُحسن التصويب نحو الحلقة الأضعف، بينما تُخفض صوتك حين يقترب الضوء من مراكز القرار. أن تُمعن في تفكيك سلوكيات الناس البسطاء، وتترك البُنى التي أنتجتها خارج الكادر… كأنها قدر، لا سياسة.
التهركاويت هي أن تكون ابن هذا الشعب، من مفاصله الدقيقة، تعرف لغته، تعيش تناقضاته، ثم تكتشف فجأة أن أسهل طريق للنجاح هو أن تضعه على خشبة العرض… وتبتسم. أن تلمع صورتك عبر تشويه صورته، ثم تُصافح دون حرج من ساهموا في تمديد هذا الوضع الذي تسخر منه.
الأكثر قسوة هنا أن هذا النمط لا يكتفي بإضحاك عابر، بل يُمرر سموما في الحس العام يجعل من الرداءة محتوى، ومن السطحية مهارة، ومن السخرية بديلا عن الفهم. وهنا لا يصبح الضحك بريئا، بل وظيفة. وظيفة تحرس الخلل بدل أن تفضحه.
لا أريد أن يتحول الفن إلى خطبة، ولا أن تتحول الموهبة إلى بيان سياسي. أطلب فقط قدرا من النزاهة، أن تعرف موقعك مما تقول، وأن تدرك أن كل ضحكة تُنتج معنى. إما أن تفتح أفقا، أو تُغلقه أكثر.
التهركاويت، ببساطة، أن تملك القدرة على الإضاءة… وتختار أن تكون جزءا من العتمة.
أن ترى الغريق… ولا تكتفي بتركه، بل تستثمر في غرقه، وذلك، في حسابي، ليس خفة ظل… بل خفة ضمير..






