الأحداث التي رافقت مباراة الوداد الرياضي واتحاد يعقوب المنصور، التي جرت يوم الأربعاء 29 أبريل 2026 بمركب محمد الخامس بالدار البيضاء، وما أعقبها من أعمال عنف وتخريب، أعادت إلى الواجهة سؤالاً مؤلماً: لماذا يتحول الملعب، في لحظات معينة، من فضاء رياضي مشترك إلى مسرح لتصدير أعطاب المجتمع أمام الكاميرات؟
غير أن المقاربة القانونية، على ضرورتها، لا تكفي وحدها لفهم الظاهرة. فالقانون مطلوب لحماية الأشخاص والممتلكات، وترتيب المسؤوليات، ووضع حد للإفلات من العقاب. لكن الاقتصار على الزجر وحده قد يجعلنا نعالج النتيجة دون تفكيك الأسباب العميقة. فالشغب الكروي ليس دائماً مجرد انحراف فردي معزول، بل هو في كثير من الأحيان تعبير مكثف عن خلل في التنشئة، وعن ضعف في تمثل معنى الفضاء العام، وعن هشاشة في علاقة بعض الشباب بالمؤسسات، وبالمدينة، وبالمرفق العمومي.
فالملعب ليس ملكاً لفريق، ولا لجمهور، ولا لفئة اجتماعية معينة. إنه جزء من الممتلكات العامة، ومن البنية التحتية التي تُموَّل من المال العام، وتُدار لفائدة الجميع. والاعتداء على تجهيزاته ليس فقط إضراراً بمرفق رياضي، بل هو اعتداء رمزي ومادي على حق جماعي. هنا بالضبط تظهر أزمة ثقافة المرفق العمومي: حين لا يرى بعض الأفراد في الكرسي، أو البوابة، أو الحافلة، أو الشارع، أو الملعب، شيئاً مشتركاً ينبغي الحفاظ عليه، بل شيئاً مباحاً يمكن تكسيره عند الغضب أو الهزيمة أو الاستفزاز.
إن خطورة الشغب الكروي تكمن في كونه يحوّل الانتماء الرياضي من طاقة إيجابية إلى عصبية مغلقة. فحب الفريق، حين ينفصل عن قيم المواطنة، قد يتحول إلى ولاء عدواني، وإلى منطق “نحن” ضد “هم”. وحين تغيب التربية على الاختلاف، يصبح الخصم عدواً، والحَكَم خصماً، ورجل الأمن رمزاً للقمع، والممتلك العام موضوعاً للانتقام. وهنا لا نكون أمام رياضة فقط، بل أمام أزمة تمثل اجتماعي عميقة لمعنى العيش المشترك.
ولا يمكن عزل هذه الوقائع عن واقع اجتماعي أوسع. فجزء من الشباب يعيش إحساساً بالهشاشة، أو التهميش، أو انسداد الأفق، وقد يجد في الفضاءات الجماهيرية فرصة للتعبير الصاخب عن وجوده. لكن هذا لا يبرر العنف، ولا يمنحه أي شرعية. إنه فقط يدعونا إلى فهم السياق الذي يجعل بعض الشباب ينتقلون من التشجيع إلى التخريب، ومن الانتماء إلى العدوان، ومن التعبير إلى الفوضى. فالملعب، في مثل هذه الحالات، يصبح مرآة مكبرة لاختلالات في الأسرة، والمدرسة، والحي، والإعلام، والجمعيات، ومؤسسات التأطير.
من جهة أخرى، تطرح هذه الأحداث مسؤولية الأندية والجمعيات الرياضية وروابط المشجعين. فالجمهور ليس كتلة عفوية فقط، بل هو مجال يحتاج إلى تأطير وتواصل وتربية مستمرة. ولا يمكن للأندية أن تستفيد من قوة الجمهور حين يكون مصدر دعم وتسويق ورمزية، ثم تتنصل من مسؤوليتها حين يتحول جزء منه إلى مصدر عنف. إن الاحتراف الرياضي لا ينبغي أن يقتصر على العقود والانتقالات والموارد المالية، بل يجب أن يشمل أيضاً احترافية في تدبير العلاقة مع الجماهير، وإنتاج خطاب تربوي، ومحاربة كل أشكال التحريض والكراهية.
كما أن الإعلام بدوره مدعو إلى الانتباه لطريقة تناول هذه الأحداث. فالمطلوب ليس تضخيم صور العنف بما يمنحها جاذبية إضافية، ولا اختزال المشكل في عبارات جاهزة من قبيل “الجماهير المشاغبة”، بل المساهمة في بناء قراءة مسؤولة: قراءة تميز بين جمهور واسع محب للرياضة، وأقلية تمارس التخريب؛ وبين ضرورة العقاب، وضرورة الوقاية؛ وبين الحدث الأمني العاجل، والسؤال المجتمعي العميق.
إن ما وقع في مباراة الوداد واتحاد يعقوب المنصور يجب أن يكون مناسبة لإعادة التفكير في علاقتنا بالفضاء العام. فالفضاء العام ليس مكاناً للعبور فقط، بل هو مدرسة يومية للمواطنة. ومن لا يتعلم احترام المدرسة، والشارع، والحافلة، والحديقة، والملعب، يصعب أن يتحول فجأة إلى مواطن مسؤول داخل مناسبة رياضية كبيرة. لذلك، فإن محاربة الشغب تبدأ قبل يوم المباراة: تبدأ من المدرسة، ومن الأسرة، ومن الحي، ومن البرامج الثقافية والرياضية، ومن خطاب عمومي يربط الحقوق بالواجبات.
نحتاج اليوم إلى مقاربة مركبة: أمنية لحماية النظام العام، وقانونية لترتيب الجزاءات، وتربوية لترسيخ قيم المواطنة، وسوسيولوجية لفهم جذور العنف، ومؤسساتية لإعادة بناء الثقة بين الشباب والمرافق العمومية. فالعنف في الملاعب ليس فقط مشكلة رياضية، بل هو مؤشر على حاجة المجتمع إلى إعادة ترميم علاقته بالمشترك.
إن كرة القدم يمكن أن تكون صورة جميلة عن البلد، وعن قدرته على التنظيم والفرح والانتماء. لكنها قد تتحول، إذا غابت المسؤولية، إلى شاشة مكبرة لأعطابنا الجماعية. وبين الصورتين توجد مسؤولية مشتركة: مسؤولية المجتمع، والأندية، والمدرسة، والإعلام، والأسر، والجماهير نفسها. فالمواطنة لا تُقاس فقط في لحظات الخطاب، بل تُختبر في لحظة الغضب، وفي كيفية التعامل مع فضاء ليس ملكاً.
* رضوان اعميمي، رئيس المركز المغربي ريادة للدراسات والأبحاث في العلوم القانونية والقضائية.






