قضايا

الإصلاح وسؤال المرجعية والمجال

نور الدين قربال

شكل الإصلاح موضوعا استراتيجيا، وهو متجدد لأنه يحمل في طياته آليات التنفيذ. لكن غالبا ما تتداخل مضامين الإصلاح بين مفهوم الدولة ورؤية المجتمع، خاصة عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات البنيوية التي تهم الجوهر السياسي، لأنه هو البوصلة للمجالات الأخرى. خاصة على مستوى وضع السياسات العمومية، واستقلالية اتخاذ القرار وطبيعة صلاحيات المؤسسات الدستورية.

إن وظيفة الإصلاح عملية مركبة، تحتاج إلى التفاعل الدائم بين كل الفاعلين، من أجل تقليص الهوة بين الأطراف، لأن الحوار يجعل كل طرف يفهم رؤية الآخر، وبالتالي يتأسس التوافق بالتدرج وحسب التطور الجيوسياسي، مع التركيز على عنصر التأصيل من خلال الحرص على التطابق التشريعي للقواعد الدستورية.

قبل إصدار القرار السياسي لا بد من اعتماد توظيف الديمقراطية التشاركية خاصة في القضايا الاستراتيجية الكبرى التي تهم الدولة والمجتمع، حتى نضمن التعاون بين الجميع. إن الإصلاح عملية متحركة وتحتاج دائما إلى تجديد حسب المقام والمقال، مع تحديد المقاصد الكبرى التي يجب أن نرقى لها جميعا، من خلال التنشئة والتربية والتكوين.

إن المطلوب هو وضع آليات في إطار شبكة للتقويم، حتى نقيس عملية الإصلاح من خلال مؤشرات اقتصادية واجتماعية وسياسية ونفسية وحضارية لأننا نعيش في عالم مفتوح يحتاج منا تحسين التموضع العالمي المبني على الوسطية والاعتدال، والوضوح والطموح. إن الإصلاح ارتقاء في سلم العيش الكريم وكرامة الإنسان وتأسيس للسيادة على جميع المستويات. هذا لا يعني أننا ننشد المثالية أو المدينة الفاضلة، فلابد من قلاقل اجتماعية وهي طبيعية ومن صميم الاختيار الديمقراطي، ومن الواجب التعامل معها بحكمة ومرونة ومهنية، في الاحترام التام لمنظومة الحقوق والواجبات.

إن أي خلل في التعامل مع المتفق عليه والمؤصل قانونيا يؤدي حتما إلى تضارب المصالح، والخروج عن العقلانية ومبادئ الإصلاح. لأن هذا الأخير التزام ومسؤولية. والاصل هو أن للدولة إكراهات على مستوى الإصلاح وللمجتمع دور مهم في التقويم، المهم أن تكون تصرفات الأطراف مبنية ليس على ميزان القوة لأن هذا طبيعي في شريعة الغاب، لكن في المجتمع الإنساني يجب أن يخضع التصرف إلى توظيف العقل والمهنية والحكمة. كل هذا يقلص من القلاقل ويؤسس إلى دمقرطة اختياراتنا التنموية والسياسية.

إن الاشتغال بعملية الإصلاح تنقصه غالبا توظيف الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة والتعاون والتوازن بين السلط، والتكاملية بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية المواطنة التشاركية. إن التقويم للعملية الإصلاحية يتطلب خطابا يتسم بالمصداقية والموضوعية حتى يكون مقنعا للجميع وموجبا للاحترام ومساهما في البناء بطريقة مباشرة أوغير مباشرة. أما إطلاق الكلام على عواهنه فلا يزيد الوضع إلا تأزما، لأنه غير مدروس ولا يستند على معطيات وحقائق. من تم فالمساهمة في الإصلاح منظومة متكاملة تحتاج إلى وعي دقيق، وحكمة عالية، ومراعاة المقال للمقام، والاستطاعة بذلك نضمن الحضور المتميز وثقة الناس، والتوفيق الرباني.

كون الإصلاح منظومة اجتهادية تطرح حلولا متنوعة حسب المرجعية والمجال، فإنه من الطبيعي أن تجد هذه المنظومة الإصلاحية من ينتقد بعضا من مضامينها، أو طرق وضعها، أو سبل تنزيلها، أو الخروج عن روحها، لكن بأي طريقة نمارس هذه المعارضة؟ هنا مربط الفرس، فإذا وجدت معارضة بانية تقول لمن أحسن أحسنت، ولمن أفسد فسدت بناء على معطيات وتحليلات موضوعية وتقدم بدائل واقعية، أنذاك سيسمع الآخر وسيستفيد منها ولو إكراها لأن الصواب يعلو ولا يعلى عليه. إذن من أسس الإصلاح الديمقراطي وجود معارضة بناءة وموضوعية وعالمة ومهنية وتحترم فن الممكن والمثالي المستهدف.

نخلص مما سبق أن الإصلاح منظومة تتكون من مواضيع تهم الدولة والمجتمع، وتتسم بمنهج متكامل يجمع بين النظري والعملي، ويتفاعل مع الحريق اليومي، والمشاريع الاستراتيجية المهيكلة، في إطار بنية سياسية واضحة المعالم لأنها تختزن الاختيار الديمقراطي المنفتح على كل اجتهاد يصب في البناء السياسي والتنموي المؤصل مؤسساتيا. إلا أن نجاح أي مشروع من هذا النوع يتطلب مصاحبة معرفية وفكرية وثقافية، من أجل التأصيل والعقلنة والتجويد والتسديد، لأنه بدون هذه المصاحبة ستتعثر المشاريع الإصلاحية.

بهذه الرؤية المتكاملة يمكن التأكيد جيوسياسيا على أننا دخلنا في سلم الترقي الحضاري، وتعزيز السيادة خاصة في الاختيارات الاستراتيجية، فهل مؤسسات الدولة والمجتمع السياسي والمدني واعون بالتحديات الإقليمية والعالمية؟ هل نحن مستعدون لتمثل الإصلاح بكل جوانبه العمودية والأفقية من أجل عقلنة حضورنا الجيوسياسي؟ نتمنى ذلك ونحن مقبلون على مشاريع جوهرية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بعد خراب البصرة؟