مجتمع وحوداث

الإشهار تحت التأثير: سجلٌّ دقيقٌ لحصونٍ منيعة

امينة المرنيسي (عن الزميلة لاروليف)

من يقرر فعليًا كيفية تخصيص ميزانيات الإشهار في بعض المؤسسات العامة؟


ما هي المعايير المستخدمة لتوزيع هذه الميزانيات: الاستراتيجية أم العلاقات الشخصية؟ لماذا تبدو بعض وسائل الإعلام حاضرةً دائمًا، بينما تُستبعد أخرى بشكلٍ ممنهج؟ هل ما زالت الاتصال لمؤسساتي يتبع قواعد شفافة، أم منطق الدوائر المغلقة؟


أين ينتهي "التعاون المهني"، وأين تبدأ شبكات النفوذ؟


من يقرر فعليًا كيفية تخصيص ميزانيات الإشهار في بعض المؤسسات المالية الكبيرة؟ سؤالٌ ساذج، كما سيقول البعض. سؤالٌ مُقلق، كما سيرد آخرون.


لأن وراء الخطاب المُنمّق حول "استراتيجية الاتصال" و"الظهور المؤسساتي"، تظهر صورةٌ مختلفةٌ تمامًا في بعض الأحيان. عالمٌ أكثر تكتمًا وانتقائية، حيث لا يُمنح الوصول إليه عبر مزايدة شفافة ولا بناءً على جدارة تحريرية واضحة.


مع مرور الوقت، نشأت حصونٌ منيعةٌ كحصون الصمت حول هذه الميزانيات. دوائر مُقيدة ومُحكمة الإغلاق، حيث تتجمع فيها الأسماء نفسها، والمنصات نفسها، والشركاء أنفسهم، وكأنها مصادفة غريبة تتحدى كل منطق تنافسي.


في هذه الأوساط، يتوقف التواصل عن كونه أداةً، ليصبح مجالًا. مجالًا نادرًا ما يُدخل إليه المرء من البوابة الرئيسية، بل عبر مسارات أكثر... ودية. هنا، تُعطى الأولوية للعلاقات، وتُعتبر الميول مهمة، وبعض "الإيماءات"، التي تُقدم دائمًا بأناقة، تبدو أحيانًا وكأنها تفتح أبوابًا تعجز الكفاءة وحدها عن اختراقها.


بالطبع، يبقى كل هذا مُغلّفًا بلغةٍ مُنمقة. يتحدثون عن "التعاون" و"الثقة" و"الشراكة المُستدامة".


كلماتٌ نبيلة، مُنتقاة بعناية، بالكاد تُخفي الشعور المُتنامي بنظامٍ يعمل في حلقة مُغلقة.


في الممرات، تنطلق الأحاديث همسًا. يتحدثون عن ممارسات... لنقل، ممارسات إبداعية. ممارسات يصبح فيها الخط الفاصل بين المجاملة والمصلحة دقيقًا، يكاد يكون غير مرئي. لا شيء رسمي بالطبع. لا شيء مكتوب. فقط ما يكفي ليفهمه الجميع... دون القدرة على إثبات أي شيء.


إذن يبقى سؤال واحد: إلى أي مدى يمكن خوصصة إدارة الموارد، التي هي في نهاية المطاف في المصلحة العامة، بشكل غير رسمي؟


لأنه إذا كانت هذه الحصون لا تزال قائمة حتى اليوم، فربما يعود ذلك إلى أن آلياتها لا تزال محاطة بالسرية. لكن السرية، كما يعلم الجميع، لا تدوم.


ودائمًا ما يأتي وقتٌ تسمح فيه حتى أسمك الجدران عندما تشتعل الأضواء.