فن وإعلام

من دسترة الأمازيغية إلى حوكمة التعدد: بين بيداغوجيا الاكتساب ومخاطر الاستقطاب السردي

مصطفى المنوزي

صحيح أن الدستور المغربي أقرّ مؤسساتيًا برسمية الأمازيغية إلى جانب العربية، وهي خطوة مفصلية في مسار الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي للبلاد. غير أن الصيغة المطلبية التي رُفعت سابقًا—والتي نصّت على أن “الأمازيغية والعربية اللغتان الرسميتان للوطن”—لم تكن مجرد اختلاف لغوي، بل كانت تعبيرًا عن تصور أعمق لمعادلة التوازن الرمزي والإنصافي بين مكونات الهوية الوطنية ، ومع ذلك، فإن هذا الإقرار الدستوري، رغم أهميته، يظل غير كافٍ ما لم يُستكمل بمجهود معرفي وبيداغوجي يعيد إدماج الأمازيغية ضمن دورة الحياة العامة، ليس فقط كلغة، بل كحامل ثقافي وتاريخي وقيمي. وهنا يطرح السؤال الجوهري: كيف نُفعّل هذا الترسيم دون أن نسقط في فخ الاستقطاب الهوياتي أو في نزعة القطيعة مع التراكم؟

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاعتراف، بل في حوكمة هذا الاعتراف. وهو ما يقتضي اعتماد منهجية متدرجة قوامها: التثمين، فالتعبئة، فالتحسيس، ثم التأصيل، وصولًا إلى الترسيخ. غير أن هذه المراحل لا يمكن اختزالها في إجراءات تقنية، بل ينبغي أن تُفهم كدينامية بيداغوجية قائمة على ما يمكن تسميته بـبيداغوجيا الاكتساب قبل الاستقطاب؛ أي بناء وعي معرفي تدريجي، نقدي، وتشاركي، يُمكّن من استيعاب التعدد دون تحويله إلى صراع سرديات.

في هذا السياق، يكتسب استدعاء التاريخ حساسية خاصة. إذ لا يمكن التعامل معه إما كخزان جاهز للتوظيف الهوياتي، ولا كمجال مفتوح لإعادة كتابة متسرعة تُسقط عليه رهانات الحاضر. فالتاريخ، بوصفه علمًا، يقتضي استكمال شروطه الإبستمولوجية قبل إنتاج خلاصاته، وإلا تحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج التوتر بدل تفكيكه ؛ ومن ثم، فإن الدعوة إلى التركيز على “فعل التذكر” لا ينبغي أن تُفهم كرفض للبحث العلمي أو للتحليل الإثنوغرافي، بل كتحذير من الانزلاق نحو استعمال هذه الأدوات خارج شروطها المنهجية. فالإشكال ليس في مساءلة التاريخ، بل في تحويل هذه المساءلة إلى سرديات مضادة قد لا تقل اختزالًا أو انتقائية عن السرديات التي تنتقدها.

وفي هذا الإطار تحديدًا يبرز أحد مواطن التوجس المشروع: ذلك المتعلق ببعض الخطابات التي تميل إلى إعادة تعريف المغاربة ضمن ثنائية حادة تختزلهم في “أمازيغ أصليين” مقابل “عرب غزاة”. إن الدفاع عن رسمية الأمازيغية لا يعني تبني مثل هذه السردية التقابلية التي توزع الشرعية التاريخية على أساس الأصل والوافد، بقدر ما يعني إعادة التوازن للاعتراف داخل هوية مركبة. فالتاريخ المغربي لم يُبنَ على القطيعة، بل على التفاعل؛ ولم يتشكل عبر نقاء مفترض، بل عبر تداخل لغوي وثقافي وديني معقّد. ومن ثم، فإن أي اختزال لهذا التعقيد في رواية صدامية، مهما كان دافعها تصحيحيًا، ينتهي إلى إعادة إنتاج منطق الإقصاء الذي يدّعي نقده ؛ ذلك أن الخلط بين وظيفة المؤرخ ووظيفة الفاعل الهوياتي أو السياسي يؤدي غالبًا إلى إنتاج معرفة مشحونة بالرهانات الآنية، على حساب التراكم العلمي. وفي هذا السياق، يصبح التحفظ على بعض المحاولات الفتية—التي تسعى إلى نفي التراكم بدل نقده—ليس موقفًا محافظًا، بل دعوة إلى ترشيد الفعل المعرفي، عبر احترام التدرج، واستيعاب التعقيد، وتفادي القفز على مراحل التأسيس والتقييم ؛ لأن ما يهدد هذا المسار ليس فقط الخطأ العلمي، بل أيضًا الانزلاق نحو المسّ بالمشترك الوطني باسم تصحيح وقائع جزئية أو مؤولة، وهو ما قد يُضعف بدل أن يُقوّي مقومات الوحدة والديمقراطية.

و بعبارة جامعة ، ليس الرهان في إعادة كتابة التاريخ، بل في إعادة بناء شروط كتابته؛ وليس في إثبات الأسبقيات الهوياتية، بل في إنتاج معنى مشترك قابل للتداول داخل أفق ديمقراطي تعددي.

إن تفعيل رسمية الأمازيغية، بهذا المعنى، ليس مجرد ورش لغوي أو ثقافي، بل هو اختبار لقدرتنا الجماعية على الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى التمكين الفعلي، ومن تعددٍ مُعلن إلى تعددٍ مُحكَّم، ومن ذاكرة متنازعة إلى ذاكرة قابلة للعيش المشترك.