في زمن السرعة الرقمية، تجاوزت الإشاعة كونها خبرا عابرا لتصبح سلاحا صامتا يهدد الوعي الجماعي، لا لأنها أقوى من الحقيقة، بل لأنها تجد من يروج لها دون وعي أو تمحيص. هناك من يكتفي بعبارات جاهزة مثل “سمعت” و“قال أحدهم” و“اتصل بي مسؤول”، وكأنها مصادر موثوقة، بينما الحقيقة أن الخيط يقود غالبا إلى شخص واحد يصنع السيناريو، ويتقنه، ثم يوزع الأدوار على من حوله، فيتحولون دون إدراك إلى ممثلين في مسرحية الكذب، يرددون نفس الرواية ويصدقونها حتى تصبح عندهم يقينا.
الأخطر أن بعض ضعاف النفوس لا يكتفون بتصديق الإشاعة، بل يسابقون الزمن لنشرها، مدفوعين برغبة لفت الانتباه أو بفراغ فكري يجعلهم فريسة سهلة لكل قصة مثيرة. لا يدركون أن كل مشاركة غير مسؤولة قد تزرع الخوف في قلب أسرة، أو تسيء لسمعة شخص، أو تهز ثقة في مؤسسة. الكلمة ليست لعبة، والضغط على زر “نشر” ليس أمرا عابرا، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون فعلا رقميا.
والمؤلم حقا أن كثرة الهم أصبحت تضحك، فاختلطت الحدود بين الحقيقة والزيف، وبين الجد والهزل، حتى صار البعض يتعامل مع الإشاعة كأنها خبر يقين. لذلك، نحن اليوم في حاجة إلى وعي إنساني قبل أي شيء، إلى لحظة صدق مع أنفسنا نسأل فيها: هل ما ننشره حقيقة أم مجرد وهم؟ لأن الكلمة أمانة، والإشاعة إذا خرجت يصعب إرجاعها، وليس كل ما يقال يصدق، وليس كل ما يصدق يستحق أن ينشر.
محفوظ ماء العينين






