في11 أبريل عام 2026، وعلى أرض العرائش، هذه المدينة التي تختزن في ذاكرتها الجغرافية صدى أمواج الأطلسي وحكايات التاريخ، لم يكن اللقاء الذي نظمته منظمة النساء الحركيات مجرد دورة تكوينية عابرة، بل كان في جوهره "الباشلاري"، فضاء للتحولات، ومختبرا للوعي، حيث تتجلى فيه أبعاد الوجود النسوي في صميم الفعل السياسي الترابي، لم يكن الحضور مجرد تجمع لأجساد، بل كان تجسيدا لإرادات حرة، تتوق إلى تجاوز "الآخرية" "البوفوارية"، نحو بناء ذات فاعلة ومؤثرة في صياغة المجالات الترابية العادلة.
افتتحت السيدة "خديجة السلالي"، عضوة المكتب التنفيذي لمنظمة النساء الحركيات ومستشارة جماعية بجماعة العرائش، هذا الفضاء المعرفي بكلمة ترحيبية حملت في طياتها نبض الانتماء وروح المسؤولية، كانت كلمتها بمثابة عتبة أولى، تفتح الأبواب أمام حوار عميق حول "القيادات النسائية المحلية وبناء المجالات الترابية العادلة: التشريع، الحكامة، والتواصل"، لقد رسمت "السلالي"، بوعيها الحاد، خارطة طريق لمسار يهدف إلى ترسيخ حضور المرأة كفاعل أساسي لا غنى عنه في دينامية التنمية المحلية.
تلاها السيد "محمد الأعرج"، عضو المكتب السياسي ل"حزب الحركة الشعبية"، الذي غاص في تفاصيل البرنامج التكويني، كاشفا عن بنية المعرفة التي ستبنى عليها هذه الدورة، حيث استعرض "الأعرج"، بمنهجية واضحة، المحاور الأساسية التي تتناول الحكامة المحلية والتنمية الترابية المندمجة، من الإطار الدستوري للجهوية المتقدمة واللامركزية، مرورا بالقوانين التنظيمية والانتخابية، وصولا إلى حقوق وواجبات المرأة المنتخبة ومبادئ الحكامة المحلية، حديثه بمثابة تفكيك للمفاهيم، يضيء الدروب أمام المشاركات لاستيعاب الآليات القانونية والسياسية.
أما السيدة "لطيفة اعبوث"، البرلمانية عن حزب الحركة الشعبية، فقد أضفت على الأجواء إيقاعا من الفرح والأمل، تحدثت عن الفرحة العارمة التي تغمرها بهذا اللقاء، وعن تطلعاتها نحو تفوق المشاركات، لم تكن كلمتها مجرد تهنئة، بل كانت شهادة على المكان، حيث وصفت "العرائش" بأنها إحدى المحطات النضالية، مما يمنح هذا الفضاء بعدا تاريخيا ورمزيا، كما أشارت إلى الاتفاقية مع "وزارة الداخلية" ، مؤكدة على التقاطع بين الإرادة السياسية والدعم المؤسساتي لتمكين المرأة .
وفي لحظة مؤثرة، تجلت فيها قوة الروح الإنسانية، فألقت السيدة "خديجة الكور" ، رئيسة منظمة النساء الحركيات، كلمتها، لقد تحدثت عن الدورة التكوينية وأهمية الاتفاقية مع "وزارة الداخلية"، لكن ما ميز حضورها هو إصرارها على العطاء رغم المصاب الجلل الذي ألم بها بفقدان والدتها، كانت السيدة "الكور" ، بتميزها المعهود، تجسيدا حيا للمناضلة التي تتجاوز آلامها الشخصية لتضيء دروب الآخرين، لتصبح بذلك رمزاً للصمود الذي يذكرنا بأن الفعل النسوي ليس مجرد نظرية، بل هو ممارسة وجودية تتحدى الصعاب.
في الجزء الثاني التكويني من اللقاء، وفي اطار خضم هذا التفاعل الفكري، بزغ نجم الدكتورة "نعيمة التويتي" ، الدكتورة الباحثة في العلوم السياسية ورئيسة لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمقاطعة "مولاي رشيد"، كشعلة مضيئة أضاءت دروب المعرفة، لقد كانت كلماتها، لا مجرد شروحات قانونية، بل إيقاعات فكرية تهز الروح، وتوقظ الوعي، وتدفع بالقارب نحو شواطئ الفهم العميق، بأسلوبها الساحر وحضورها الآسر، فككت "التويتي"، ببراعة فائقة، تعقيدات الجانب القانوني والميزانياتي للمجالس المنتخبة، محولة إياها إلى نغمات معرفية تلامس شغاف العقل والقلب، لقد كان تأطيرها تجليا للجمال المعرفي و الكلي كما هي، حيث تتراقص المفاهيم الجافة على إيقاع الفكر المستنير، لتغدو كل كلمة منها همسة عشق للمعرفة، تدفع بالمستفيدات إلى الانغماس في بحر التشريع والحكامة، لا كمتلقيات، بل كعاشقات للتحليل، ومبصرات لآفاق التمكين، إنها، بحق، قوة فكرية آسرة، تجعل من التعلم رحلة ممتعة، ومن الفهم غاية نبيلة، ومن الوعي النسوي فعل وجودي يمتد تأثيره إلى أبعد مدى ...
ثم جاء دور الدكتور "محمد أبو عوض" ، الأستاذ الجامعي في القانون العام والعلوم السياسية، ليأخذ الحضور في رحلة عبر فن التواصل السياسي لقد فكك "أبو عوض" بأسلوبه التحليلي، آليات التواصل الفعال، مؤكدا على أهميته في بناء الصورة الذهنية للقيادية النسائية، وفي تعزيز قدرتها على التأثير والإقناع، كان حديثه بمثابة بناء للمنظور، يمنح المشاركات عدسات جديدة لرؤية المشهد السياسي والتفاعل معه.
لقد احتضنت هذه الدورة بالعرائش 64 مستفيدة، كن بمثابة الخلايا الحية التي ستنقل هذا الوعي الجديد إلى مجالاتهن الترابية ،واختتمت الدورة بتسليم الشواهد، التي لم تكن مجرد أوراق، بل كانت رموزا للاعتراف بمسار معرفي ونضالي، تلاها حفل غداء، حيث تلاقت الأرواح في فضاء من الألفة، مؤكدة على أن الفعل الجماعي هو جوهر كل تحول.
في الختام، لم يكن هذا اللقاء مجرد حدث عابر في تقويم الأنشطة، بل كان تجليا فلسفيا لوعي نسوي يتأبى على التهميش، ويسعى إلى إعادة تعريف "المكان" و"الذات" في سياق السياسة الترابية، إنه دعوة "باشلارية" لتأمل عمق الفضاءات التي تشغلها المرأة، وصرخة "بوفوارية" لتأكيد وجودها كذات حرة، قادرة على صياغة مصيرها ومصير مجتمعها، إن "العرائش"، في هذا اليوم، لم تكن مجرد مدينة، بل كانت نقطة انطلاق لوعي جديد، يضيء دروب المستقبل بأمل لا ينضب.








