رأي

سليمة فرجي: اجعلوا من هذا الجمال وعدًا دائمًا لا لحظة عابرة

وجدة، تلك المدينة التي طالما عانت من الجفاف، واعتادت أن ترى الأزهار تموت قبل أن تكتمل ابتسامتها، استفاقت في شتاء هذه السنة على دهشةٍ بيضاء. كأن السماء اعتذرت لها أخيرً فجللتها بثلوج لم تشهدها منذ عقود، ثلوج نقية أدخلت البهجة على القلوب وغطّت به ما تبقى من تعب وقتامة المواسم. 

ثم جاء الربيع يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما

 كما قال الشاعر البحتري لا خجولًا أو حزينا كعادته، بل مزهوًّا، صاخبَ الألوان، ينثر الأصفر على الروابي والجبال كأنّه يطلب تحرير إشهاد بالصلح مع المدينة.   

خرجت الساكنة وانتشرت في الروابي والسهول والجبال لا لشيء، إلا لأن قلوبهم لم تعد تتّسع لهذا الجمال.

ازدحمت الطرقات، وغادر الجميع بيوتهم كأن نداءً خفيًا جمعهم في حضرة وجلال الطبيعة، لم يبقَ خلف الأبواب احد، فالفرح حين يكون صادقًا، يستدعي الجميع دون استثناء.

في تلك اللحظة، أدركتُ أن الطبيعة حين تريد، تفعل ما لا تفعله الخطب، ولا تحققه الوعود، ولا تصنعه السياسات.

أدركتُ أن وجدة لم تكن يومًا قاحلة كما سلمنا بواقع المغرب غير النافع على حد تعبير ليوطي، بل كانت تنتظر فقط لحظة إنصاف من السماء. فإذا بها تُعلن، في صمتٍ مهيب: أنا جميلة، وأهلي يعرفون كيف يحبّون الجمال.

غير أنّ هذا الجمال، وإن أشرق من تلقاء الطبيعة، فإنه يهمس بنداءٍ آخر ، نداءٍ إلى من بأيديهم القرار أن ينفضوا الغبار، وأن يُشمّروا عن السواعد، ليجعلوا من هذا الجمال وعدًا دائمًا لا لحظة عابرة، أن يستنهضوا الهمم، وأن يسقوا المدينة عنايةً كما سقتها السماء ماءً.

نريد لوجدة أن تزدهر لا موسمًا، أو فصلا أو مناسبة انتخابية، بل عمرا وإلى الابد، أن ترتقي، وتأخذ مكانها بين المدن التي تصنع الجمال

ولا تنتظره فقط.

فإذا وشوشت الطبيعة في صمتٍ مهيب، أنا منحتُكم البداية…فأكملوا أنتم المسار !