رأي

فكري سوسان: صوّتوا لنا.. والباقي على الله!

في واحدة من أصدق الرسومات الساخرة التي تختصر المشهد السياسي المغربي اليوم، يقف مواطن مرتبك وهو يتمتم:

»ما عرفت ما نفكر،

ما عرفت آش نقول،

ما عرفت آش ندير… »

فيرد عليه السياسي بابتسامة واثقة:

»صوّتوا علينا… حتى حنا ما عارفين والو!»

المشكلة أن الأمر لم يعد مجرد نكتة.

بل صار برنامجاً انتخابياً غير معلن.

نحن أمام طبقة سياسية وصلت إلى مرحلة غريبة:

لم تعد تبيع الأحلام كما في السابق،

ولم تعد تملك حتى الجرأة على الادعاء بأنها تعرف كيف تدبّر أزمات الناس.

كل ما تملكه اليوم هو قدرة خارقة على الكلام…

والظهور في الصور…

وتبادل الاتهامات فوق المنصات،

بينما المواطن يتدبّر أمره وحيداً مع الغلاء والفواتير والانتظار الطويل.

قبل كل انتخابات، يتحول المغرب فجأة إلى ورش ضخم من الوعود:

تشغيل،

تنمية،

دولة اجتماعية،

عدالة مجالية،

كرامة،

طبقة وسطى،

ذكاء اصطناعي،

وأحياناً وعود تكاد تحتاج إلى معجزة أكثر مما تحتاج إلى حكومة.

ثم تنتهي الحملة،

فيعود المواطن إلى المستشفيات المكتظة،

والمدارس العمومية المتعبة،

وأسعار تشتعل أسرع من خطابات الوزراء.

وها نحن اليوم على أبواب عيد الأضحى، فيما أصبح “الحولي” نفسه حلماً مؤجلاً بالنسبة لشرائح واسعة من المغاربة، بعد أن تحولت الطبقة الوسطى — التي كانت يوماً صمام توازن المجتمع — إلى كائن اجتماعي مهدد بالانقراض.

المغربي الذي كان قبل سنوات يناقش سلالة الكبش وحجمه، صار اليوم يناقش إمكانية النجاة من مصاريف العيد دون اللجوء إلى قرض أو “سْلْفة” آخر الشهر.

حتى الأسواق لم تعد تشبه الأسواق القديمة؛ صارت أقرب إلى معارض فاخرة تُعرض فيها الأضاحي كما تُعرض السيارات الألمانية… مع فارق بسيط: السيارة قد تُقَسَّط، أما “الحولي” فلا يرحم.

المغربي الذي كان يناقش قبل سنوات نوع الكبش وحجمه و“شحمة العيد”، صار اليوم يناقش إمكانية شراء نصف خروف… أو الاكتفاء بصورة تذكارية معه!

حتى الأضحية دخلت بورصة الغلاء، وكأنّ بعض “الشناقة” قرروا هذه السنة تطبيق مخطط المغرب الأخضر على جيوب المواطنين مباشرة.

أما السياسيون، فبعضهم يتحدث عن “تحسن المؤشرات الاقتصادية” بنفس الهدوء الذي يتحدث به جزار عن فوائد النباتية.

السياسي المغربي أصبح يشبه ذلك التلميذ الذي يدخل الامتحان بلا مراجعة،

لكنه يصرّ على الجلوس في الصف الأول بثقة مطلقة.

والأغرب أن بعض الأحزاب لم تعد تخجل حتى من تناقضاتها.

السياسي الذي كان يهاجم الحكومة بالأمس،

يدافع عنها اليوم،

ثم يعود غداً لمهاجمتها من جديد…

وكأنّ الأمر يتعلق بتبديل قمصان كرة القدم، لا بتدبير مصير شعب.

أما البرامج الانتخابية، فقد تحولت إلى نوع أدبي خاص.

لا هي رواية خيال علمي،

ولا هي شعر سريالي،

ولا هي كوميديا سوداء بالكامل…

بل خليط مغربي أصيل من كل ذلك.

المفارقة أن المواطن نفسه صار أكثر وعياً من كثير من السياسيين.

المغاربة اليوم يفهمون جيداً معنى التضخم،

ويعرفون أثر المديونية،

ويتابعون الجغرافيا السياسية،

ويحللون أسعار النفط والقمح والحروب الدولية…

بينما لا يزال بعض المنتخبين يعتقدون أن صورة مع “قفة رمضان” أو فيديو عاطفي على “تيك توك” تكفي للفوز بثقة الناس.

لكن الخطر الحقيقي ليس فقط في رداءة بعض السياسيين.

الخطر في تطبيع الرداءة نفسها.

أن يصبح العبث عادياً.

أن يصبح غياب الكفاءة أمراً مألوفاً.

أن يتحول الفشل إلى مجرد تفصيل صغير داخل لعبة انتخابية موسمية.

السياسة في المغرب دخلت منذ سنوات مرحلة غريبة:

كثرة الأحزاب…

وقلة السياسة.

ضجيج كبير…

وأفكار قليلة.

خطابات طويلة…

ورؤية قصيرة جداً.

وفي وسط هذا الضباب، يشعر المواطن أحياناً أن الانتخابات لم تعد لحظة ديمقراطية حقيقية،

بل مجرد موسم وطني لتوزيع الوعود والصور والابتسامات البلاستيكية.

ومع ذلك،

فالمقاطعة وحدها ليست حلاً سحرياً كما يعتقد البعض.

لأن السياسة، مثل الطبيعة، تكره الفراغ.

حين ينسحب أصحاب الكفاءة،

ويتعب العقلاء،

ويقرر الشباب أن “الجميع متشابهون”،

فإنّ النتيجة لا تكون ولادة نخبة أفضل،

بل صعود الأكثر تنظيماً،

والأكثر انتهازية،

والأكثر قدرة على تحويل الفقر واليأس إلى خزّان انتخابي.

لهذا تبدو انتخابات 2026 مختلفة قليلاً.

ليس لأن الأحزاب تغيرت كثيراً،

بل لأن المغاربة أنفسهم تغيروا.

الناس صاروا أقل قابلية للتصديق،

وأكثر ميلاً للسخرية،

وأشد قسوة في الحكم على الخطاب السياسي.

لقد انتهى زمن السياسي الذي يعتقد أن الميكروفون وحده يكفي لصناعة الزعامة.

اليوم، المواطن يسأل ببساطة:

أين النتيجة؟

ولأن الجواب غالباً مرتبك،

يخرج علينا بعضهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالشعار الحقيقي للمرحلة:

»صوّتوا لنا…

والباقي على الله «!