سياسة واقتصاد

دعم البوطا: حكومة تكافئ من يستهلك أكثر…

خالد أخازي ( روائي وإعلامي مستقل )

لنعطل تأويل البلاغات مؤقتا وتصريحات ”ساحر الخطاب الحسابي” لقجع مؤقتا…

تعطيل منهجي، لا غير، فكل مداخلة لمهندس الميزانية تسحر وتفحم، ويسود الصمت، كأن خطابه تميمية الصمت، ولا أعرف على صمت من حقيقة مفحمة، أم من سوء فهم الطبقة البرلمانية لرجل كما يجيد خطابة الأرقام، يجيد استمداد الهيبة من ذوي الهيبة والهمة.

لننزل قليلا إلى أرض المطبخ، حيث الحقيقة لا تحتاج إلى ميكروفون. هناك، بجانب قدر يغلي على استحياء، تبدأ الحكاية الحقيقية لقنينة الغاز في المغرب: ليست كلفة في الميزانية، بل شرطا من شروط البقاء.

وفي الطابق العلوي من هذا البلد، حيث تصاغ السياسات على ضوء الشاشات، يطل علينا فوزي لقجع ليخبرنا، بنبرة رجل اكتشف الخلل في الكون، أن الدعم لم يعد مستداما… عبارة أنيقة، تصلح لكل شيء… إلا لشرح من يستفيد فعلا من هذا الدعم.

وهنا تبدأ الفضيحة الهادئة.

أول اختلال في هذه الحكاية ليس سرا، بل يكاد يكون فضيحة عمومية تمارس في وضح النهار:

الدعم في صيغته الحالية أفقي أعمى.

بمعنى بسيط ومؤلم: الدولة لا تسأل من أنت، بل كم تستهلك.

الأرملة في الهامش تشتري قنينة واحدة في الشهر، بالكاد.

 داخل البيوت البلاستيكية، حيث يقهر البرد والزمهرير آلاف الأسر في الجبال والمناطق النائية…

والحكومة لا تجد حرجا… في دعم الاثنين بنفس السعر… صاحب” الكاميلة” وصاحب ” الفيرمة” والكومبانيا.

أي عبقرية هذه التي تجعل الاستهلاك معيار الاستحقاق؟

أي عدالة هذه التي تكافئ الشراهة وتعاقب القلة؟

هكذا، يتحول الدعم من أداة اجتماعية إلى مكافأة غير معلنة للكبار. كلما كبرت ضيعتك، كبر نصيبك من الدعم. كلما تضخمت أرباحك، زادت مساهمة الحكومة في تخفيف تكاليفك. نحن هنا لا نتحدث عن انحراف بسيط… بل عن هندسة كاملة لإعادة توزيع المال العام من الأسفل إلى الأعلى.

ثاني الاختلال أكثر عمقا… وأكثر سخرية:

الدعم لا يشترط بأي التزام.

في دول تحترم منطق “خذ… لكن أعطِ”، يربط الدعم بشروط واضحة:

تشغيل، تخفيض أسعار، استثمار اجتماعي، أو حتى التزام بيئي.

أما في مغرب صندوق المقاصة، فالدعم يوزّع كأنه هدية نهاية السنة:

خذ الغاز المدعم… وصدر منتجاتك بالسعر الذي تريد… ولا أحد سيسألك لماذا يشتري المواطن الطماطم كما لو كانت فاكهة استوائية نادرة.

الحكومة تدعم الطاقة التي تنتج بها… لكنها لا تتدخل في السعر الذي تبيع به. إنها رأسمالية برعاية اجتماعية… ولكن للأقوياء فقط.

ثالث الاختلالات، وهو الأكثر غرابة في عبثه:

نحن ندعم… لنصدر…. لا لنعيش… ندعم قفة الغرب، ونفقر قفة الشعب.

نعم، بهذه البساطة.

غاز مدعوم من جيوب المغاربة يستخدم لتدفئة محاصيل تشحن نحو أوروبا…. بركاتك يا” المغرب الأخضر”…

الأورو يعود إلى جيوب المنتجين، بينما الدعم يبقى عبئا على الميزانية الوطنية.

المواطن المغربي هنا لا يستهلك فقط… بل يمول سلسلة إنتاج لا يستفيد منها…يدفع من ضرائبه، ثم يشتري منتجات تلك السلسلة بأسعار مرتفعة، وكأنها مستوردة من كوكب آخر.

إنها دورة اقتصادية مغلقة… لكن بابها الوحيد يفتح نحو الأعلى.

رابع الاختلال، وربما أخطرها وربنا وشراسة أن هذا النظام يقوض أي بديل مستقبلي، فحين توفر الحكومة الطاقة الرخيصة بلا شروط، لن سيستثمر الكبار في الطاقة الشمسية..

لماذا سيتجهون نحو النجاعة الطاقية؟

لماذا يفكرون أصلا في تقليل الاستهلاك؟

الجواب بسيط: لن يفعلوا.

وهكذا، لا نكتفي بدعم الاستهلاك غير العادل… بل نقتل في المهد أي تحول نحو اقتصاد مستدام. نصبح رهائن لسعر الغاز في الأسواق الدولية، نرتعد مع كل توتر جيوسياسي، ونكتشف في كل مرة أن سيادتنا الطاقية مجرد شعار جميل في المؤتمرات. ثم، حين تصل الفاتورة إلى مستوى لا يطاق، يظهر الحل الجاهز:

رفع الدعم… وتعويضه عبر السجل الاجتماعي الموحد.

فجأة، تتحول المشكلة من “من يستفيد أكثر؟” إلى “من يستحق أصلا؟”

ننتقل من مساءلة الكبار… إلى تدقيق حياة الصغار.

الخوارزمية اللعينة العمياء تدخل على الخط، تقيس الفقر بالمسطرة، وتقرر من يستحق أن يطبخ عشاءه بكرامة.

أما كبار المستهلكين، أولئك الذين ابتلعوا الدعم لعقود، فيغادرون المسرح بهدوء… دون مساءلة، دون استرجاع، دون حتى اعتذار.

 الصورة أوضح مما نهرب من الاعتراف به:

دعم البوطا، في شكله الحالي، لم يكن يوما سياسة اجتماعية خالصة.

كان آلية مزدوجة:

تهدئ الفقراء قليلا… وتغذي الكبار كثيرا حد التخمة….وحين تضيق الموارد، لا يمس الجزء المربح من المعادلة… بل يمس فقط الجزء الصامت منها.

ذلك المواطن الذي لا يملك لا لوبي في برلمان، ولا صالونات خفية للتسويات، ولا صوتا نافذا أعلى من صوت قدره وهو يغلي… يفتتن لا غير بكاريزما رقمية تبدو شعبية اجتماعية ولكنها تخفي بين الأرقام الأوهام والتسويات الخفية.

ربما آن الأوان لطرح السؤال الحقيقي، بلا مواربة:

ليس “هل نرفع الدعم؟” بل: من دعمناه طوال هذه السنوات… وعلى حساب من؟ هل نجرؤ على المحاسبة…؟

حينها فقط، قد نكتشف أن قنينة الغاز لم تكن المشكلة.

المشكلة كانت دائما في اليد التي توزعها… والعيون التي تختار ألا ترى.