فن وإعلام

بين التزييف العميق و”الحقيقة” الرقمية: كيف يحمي الإعلام العربي مصداقيته في عصر الخوارزميات؟

كفى بريس (و م ع - كريم حمو)
لم تعد الصورة دليلا، ولا الصوت حجة، ولا الفيديو شاهدا على الحقيقة. في زمن التزييف العميق، بات بوسع خوارزمية غير مرئية أن تعيد تشكيل الواقع، وأن تصنع أحداثا لم تقع مطلقا، وأن تمنحها من المصداقية ما يكفي لإقناع ملايين المتابعين.

بإمكان المرء، اليوم، أن يشاهد زعيما يلقي خطابا مع أنه لم يقله قط، أو مذيعا مشهورا ينقل خبرا عن كارثة لم تحدث. هذا ليس خيالا علميا، بل واقع يومي يتسلل بهدوء إلى الفضاء الرقمي، ويضع الصحافة أمام أحد أخطر امتحاناتها عبر التاريخ.

في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح هو كيف ننتج الخبر، بل كيف نحميه. لم تعد السرعة وحدها معيار النجاح، بل أصبحت المصداقية معركة يومية في مواجهة طوفان من المحتوى المضلل. وبين هذا وذاك، يقف الإعلام العربي أمام مفترق طرق حاسم : إما أن يطور أدواته لمواكبة الثورة الرقمية، أو أن يتحول إلى ضحية لها.

   حين تصبح الحقيقة موضع شك : التزييف العميق يغير قواعد اللعبة

   في العمق، لا يتعلق التحدي بالتكنولوجيا في حد ذاتها، بل بتداعياتها على مفهوم “الحقيقة”. فالتزييف العميق لم يكتف بتعقيد مهمة التحقق، بل أعاد تعريفها بالكامل، وفرض على الصحافيين الانتقال من مهارات تقليدية إلى كفاءات تقنية متقدمة.

   في هذا الإطار، يؤكد الخبير في الذكاء الاصطناعي عبدالرزاق زداري أن “تقنيات التزييف العميق والذكاء الاصطناعي التوليدي أحدثت تحولا جذريا في طبيعة التحديات التي تواجه الصحافة”، مبرزا أن أولى هذه التحديات تتمثل في “صعوبة التمييز البصري، حيث أصبحت النماذج الحديثة تنتج صورا وفيديوهات بواقعية مذهلة تجعل الاعتماد على العين المجردة مخاطرة حقيقية”.

هذا التحول لا يقتصر أيضا على الجانب التقني فقط، بل يمتد إلى الزمن نفسه. فسرعة انتشار الأخبار المضللة تضاعف من تعقيد المشهد، إذ يوضح زداري أن هذه التقنيات “تساهم في فبركة أخبار قد تثير الهلع أو تؤثر على الاستقرار، وتنتشر بسرعة البرق، مما يضع الصحافيين أمام معادلة صعبة : السرعة مقابل الدقة”.

وفي امتداد لهذا التحليل التقني، يوضح الصحفي الاستقصائي سامي صبي، مدير نشر منصة “غربال” لتدقيق المعلومات، أن طبيعة المحتوى المضلل تغيّرت بشكل جذري؛ فبينما كان التلاعب بالصور والفيديو في الماضي يتطلب مهارات تقنية متقدمة وغير متاح للجميع، أصبح اليوم بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي “مشاعاً” وسهل الإنتاج.

   فقد تحولت الأخبار الزائفة من مجرد نصوص مختلقة إلى “تزييف بصري” يُستغل غالبا في عمليات الاحتيال، حيث أن التحدي الأكبر مستقبلا يكمن في ظهور حسابات وهمية تمتلك سلوكا بشريا طبيعيا تماما، مما يجعل كشفها أو التمييز بينها وبين الحسابات الحقيقية أمرا بالغ التعقيد.

   ولعل أخطر ما في هذا التحول هو أنه أطلق سباقا جديدا، لا يدور بين مؤسسات إعلامية، بل بين أنظمة ذكية. “نحن أمام سباق تسلح تقني”، يقول زداري، “حيث بات لزاما على المؤسسات الإعلامية محاربة الذكاء الاصطناعي بالذكاء الاصطناعي، عبر أدوات قادرة على تحليل البيانات الوصفية وكشف التلاعب الذي لا تدركه الحواس البشرية”.

غير أن المعركة لا يمكن أن تظل تقنية فقط. فغياب إطار قانوني رادع، إلى جانب الفوضى الناتجة عن سهولة إنتاج المحتوى، يضيف الخبير، يفرضان تحديا مضاعفا، يستدعي إعادة تنظيم المجال الإعلامي نفسه، ووضع حدود واضحة بين العمل الصحفي المهني والإنتاج العشوائي للمحتوى.

   خوارزميات لا أخلاقية: عندما يقلب “التفاعل” دفة الحقيقة

   ولئن كان التزييف العميق قد وفر الأدوات، فإن خوارزميات المنصات الرقمية وفرت البيئة المثالية لانتشاره. وهنا، لم تعد المشكلة في إنتاج الخبر الزائف فقط، بل في آليات تضخيمه وتحويله إلى “حقيقة متداولة”.

   ففي الماضي، كان المحرر هو “حارس البوابة” الذي يقرر ما ينشر بناء على معايير الدقة والمصلحة العامة، ووفق أسس مهنية واضحة. أما اليوم، فقد انتقلت هذه السلطة إلى خوارزميات لا ترى في المحتوى سوى أرقام : نسب مشاهدة، ومعدلات تفاعل، وزمن بقاء المستخدم.

   وفي هذا السياق، يؤكد سامي صبي أن خوارزميات التواصل الاجتماعي تمنح الأولوية للمحتوى المضلل لأنه يرتبط عادة بأحداث “الترند” أو القضايا التي تثير العواطف والمصالح، مما يجعل التفاعل مع الزيف يتفوق بمراحل على التفاعل مع تقارير ومواد التحقق الرصينة.

   من جهته، يرى زداري أن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتعمق مع غياب آليات استباقية، حيث “تتعامل المنصات غالبا مع المحتوى بردود فعل بعدية، أي بعد أن يكون قد انتشر وأحدث ضررا”، بدل منعه منذ البداية.

   هذه الدينامية تخلق ما يُعرف بـ”غرف الصدى”، حيث يحاط المستخدم بمحتوى يعزز قناعاته، ويقصى كل ما يخالفها، مما يجعل تصديق الأخبار الزائفة أمرا طبيعيا، بل ومريحا نفسيا. ولأن هذه المنصات تحقق أرباحا من التفاعل، فإن المسؤولية، ليست تقنية فقط، بل أخلاقية أيضا، إذ لا يمكن فصل منطق الربح عن تبعاته على استقرار المجتمعات.

   بين الفوضى والتنظيم: هل يمكن استعادة السيطرة؟

   أمام هذا الواقع، لم يعد ممكنا الاكتفاء بالتشخيص. فالمطلوب اليوم هو الانتقال إلى الفعل، عبر بناء منظومة متكاملة تحمي المصداقية وتعيد الثقة.

   وتجسيدا لهذا الدور العملي، يبرز سامي صبي منهجية منصة “غربال” المستندة إلى معايير دولية، بالتعاون مع الشبكتين الدولية والعربية لمدققي المعلومات، والتي تقوم على تفكيك الادعاء، ومقاطعة المصادر الأولية، ومطابقة الأدلة، مع ذكر كافة خطوات التحقق لإتاحة الفرصة للجمهور لمراجعتها، مشددا على أن “التدقيق قبل النشر” أصبح ضرورة حتمية للرفع من جودة العمل الصحفي، منتقدا التخلي عن هذه الممارسة لصالح “العناوين المثيرة” والاعتماد المفرط على المصادر المجهولة الذي تكرسه الصحف الإلكترونية الساعية للربح السريع.

   من جهته، يرى زداري أن المؤسسات الإعلامية مطالبة أولا ببناء ما يسميه “جدار حماية تقني”، عبر الاستثمار في أدوات قادرة على كشف التزييف قبل نشر المحتوى، مما يضمن انتقال العمل الصحفي من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي. لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. إذ يشدد على ضرورة “التكوين المستمر للصحفيين في مجال التحقق الرقمي”، معتبرا أن الصحفي المعاصر يجب أن يجمع بين الحس التحريري والوعي التقني.

   هنا تبرز أهمية إحداث وحدات مستقلة لتدقيق الحقائق داخل غرف الأخبار، تعمل كخط دفاع أول ضد الإشاعات، إلى جانب تعزيز الشفافية مع الجمهور، خاصة في ما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى.

   ولا يقل التعاون أهمية عن باقي العناصر، حيث يدعو الخبير إلى تنسيق الجهود بين المؤسسات الإعلامية والجهات التقنية، لمواجهة حملات التضليل المنظمة التي تتجاوز حدود مؤسسة واحدة.

   الإنسان في قلب المعادلة: كيف نوفق بين التكنولوجيا والأخلاق؟

   في خضم هذا التسارع التكنولوجي، يطرح سؤال جوهري نفسه : هل يمكن الحفاظ على القيم الصحفية في عالم تحكمه الخوارزميات؟

   الإجابة، كما يرى زداري، تكمن في إعادة وضع الإنسان في مركز العملية الإعلامية. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، تظل أداة، بينما تبقى المسؤولية الأخلاقية والمهنية بيد الصحافي.

   ويؤكد في هذا السياق أن التوازن يمر عبر “اعتماد شفافية جذرية في الإفصاح عن أي محتوى منتج أو معالج تقنيا”، إلى جانب تحديث مواثيق الشرف المهني، بما يواكب التحديات الجديدة.

   بهذا المعنى، لا يصبح الذكاء الاصطناعي تهديدا، بل فرصة، شرط أن يستخدم لتعزيز الحقيقة لا لتزييفها، ولخدمة القارئ لا للتلاعب به.

   معركة الوعي في زمن الخوارزميات

   في نهاية المطاف، ليست المعركة بين الإنسان والآلة، بل بين الوعي والتضليل. لقد دخلت الصحافة مرحلة جديدة، لم يعد فيها السبق الصحفي كافيا، بل أصبح مشروطا بالتحقق العميق، وبالقدرة على مقاومة إغراء السرعة. إنها معركة بقاء، يكون فيها الرهان الأكبر على الثقة.

   إن الإعلام العربي، وهو يواجه هذا التحدي، مدعو اليوم إلى أكثر من مجرد التكيف؛ مدعو إلى القيادة، إلى ابتكار نموذج جديد يقوم على “ميثاق شرف رقمي”، يضمن الشفافية، ويحصن المهنة، ويعيد الاعتبار للحقيقة.

   ففي عالم يمكن فيه تزييف كل شيء تقريبا، تبقى قيمة واحدة غير قابلة للاستنساخ: المصداقية.