مجتمع وحوداث

ملحمة "سير زيد جيب": كفاح المواطن في مثلث برمودا المغربي

سيدي علي ماء العينين

​من الملاعب يرتفع الهتاف الحماسي :

"سير سير سير"، 

وعند الحكومة لا صوت يعلو فوق شعار: "زيد زيد زيد"،

 أما في البيت فالأسرة تعزف لحناً وحيداً لا يتغير هو :

"جيب جيب جيب". 

وسط هذه المعادلة الصعبة، يجد المواطن المغربي نفسه عالقاً في وضعية تسلل أبدي، فلا هو استطاع تسجيل هدف القفة في شباك الأسعار الملتهبة، ولا هو تمكن من إعلان الاعتزال والانسحاب من البطولة اليومية للقمة العيش. 

إنه يتسمر في مكانه حتى يموت واقفاً، ليس من باب الشهامة والبطولة دائماً، ولكن لأنه إذا قرر "هرب هرب هرب"، لن يجد طارق بن زياد ليقول له البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، بل سيصطدم بـ "الشناق" طارق بن الزيادة الذي يبتسم له بذكاء قائلاً: 

لا مفر، الأسواق من ورائكم والديون أمامكم، ولا خيار لكم سوى الاستسلام التكتيكي.

​هذا المواطن الذي يطالبونه بالصمود والتقشف، يمارس اليوم "الريجيم" قسراً وليس بحثاً عن الرشاقة، فاللحم صار ضيفاً دبلوماسياً يحتاج تأشيرة وميزانية طوارئ ليزور الموائد،

 ومطيشة تحولت إلى لوحة سريالية يتأملها الناس من بعيد ويدعون بالبركة في مال أصحابها.

 أما الراتب أو "الماندا"، فهي الكائن الأسطوري الوحيد الذي يملك خاصية التبخر السريع، تدخل من باب الحساب البنكي لتجد قوات القمع من كراء وماء وكهرباء في انتظارها عند العتبة، لتقول لها بلهجة حازمة: 

سلمي نفسك، أنتِ محاصرة. 

حتى "البحر" الذي كان ملاذاً للهروب، صار يطلب تذكرة خيالية، والعدو الذي كان في الأمام أصبح يبيع "الفيزا" بالقطارة، ليجد المواطن نفسه يفتح "كناش الكريدي" عند البقال وكأنه يفتح مذكرات تاريخية مجيدة، في بلد أصبح فيه البقال هو "البنك المركزي" الحقيقي للحي.

​ يكتشف هذا المواطن الصبور في الاخير أن استسلامه ليس هزيمة، بل هو نوع من الكوميديا السوداء التي يعيش فصولها كل صباح. 

إنه لا يموت واقفاً كالأشجار فقط، بل لأنه ببساطة لم يعد يجد مكاناً يستلقي فيه من كثرة الزحام على لقمة العيش، ولأن الوقوف هو الوضعية الوحيدة التي تسمح له برؤية "الفاتورة" القادمة وهي تلوح له من بعيد بابتسامة عريضة. 

سيظل المواطن يبتسم في وجه الغلاء، ويحيي الشناق بمرارة، ويواصل الركض في مكانه، مدركاً أن الحياة في هذا المثلث العجيب ليست سوى مباراة طويلة بلا أشواط إضافية، وبلا حكم يصفر لينهي هذا العذاب الجميل، بانتظار معجزة تنزل من السماء أو تخفيض مفاجئ يعيد لـ "القفة" كبرياءها المفقود.