نافذة أسبوعية تواكب المستجدات الدستورية بالمغرب، من اجتهادات وقرارات المحكمة الدستورية، إلى القوانين التنظيمية والنصوص المؤطرة للمؤسسات، قراءةً وتحليلًا وتفكيكًا، بما يربط النص الدستوري بسياقه السياسي والمؤسساتي، ويقرب النقاش الدستوري من القارئ دون إخلال بالدقة العلمية. يشرف على هذه النافذة د. كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة، وباحث في قضايا الدستور وتحولات الممارسة الدستورية، يجمع بين التحليل الأكاديمي الدقيق والخبرة في قراءة التفاعل بين النص الدستوري والواقع السياسي والمؤسساتي بالمغرب.
حدود التشريع والتنظيم أو حينما يشرّع التنظيم
لم يكن المشرع الدستوري المغربي، وهو يوزع الاختصاص بين القانون والتنظيم، بصدد إجراء تقني محض، بل كان يؤسس لاختيار دستوري عميق يروم حماية مبدأ فصل السلط في أفق تكاملها، وصيانة التوازن بين الشرعية الديمقراطية والنجاعة التنفيذية. فحين خص الفصل 71 مجال القانون بالمقتضيات المرتبطة بالحقوق والحريات الأساسية، والنظام الانتخابي، والضمانات الجوهرية للحياة العامة، وجعل الفصل 72 ما عدا ذلك ضمن المجال التنظيمي، فإنه كان يرسم حدودا واضحة بين ما يجب أن يصدر عن إرادة الأمة، وما يمكن أن تتكفل به السلطة التنفيذية في إطار التطبيق والتدبير. غير أن الممارسة الدستورية تكشف عن تحولات دقيقة تطرح سؤالا جوهريا: هل ظل التنظيم أداة لتنفيذ القانون، أم بدأ يتحول إلى فاعل تشريعي؟
إن القاعدة الدستورية المستقرة تقضي بأن القانون يحدد الجوهر، بينما يتولى التنظيم ضبط الكيفيات. لكن ما يثير الانتباه في عدد من الحالات هو أن التنظيم لم يعد يكتفي بالتفصيل، بل امتد إلى مجالات تمس أصل الاختيار نفسه. ولعل من أبرز هذه الحالات على سبيل المثال والاهتداء لا الحصر؛ ما تم اعتماده بالقانون التنظيمي لممارسة حق الإضراب، حيث تمت إحالة بعض الجوانب الحساسة، وعلى رأسها تحديد بعض مجالات أو قطاعات المنع أو التقييد، إلى مراسيم تنظيمية. فالمادة 21، من هذا القانون تحيل إلى نص تنظيمي لتحديد الحد الأدنى من الخدمة داخل المرافق الحيوية. وهو ما يطرح إشكالا دستوريا واضحا، لأن الإضراب حق دستوري، وأي تقييد جوهري له ينبغي أن يصدر عن القانون نفسه، لا أن يترك لسلطة تنظيمية قابلة للتغيير بمرسوم. وفي السياق ذاته، يبرز كذلك مثال تحديد الساعة القانونية والذي تم تحويل إقرارها من ظهير(قانون) الى مرسوم، رغم أن أثرها يتجاوز البعد التقني ليطال شروط العيش اليومي للمواطنين، من عمل وتمدرس وصحة وتنقل. فحين يصبح لقرار تنظيمي هذا الامتداد المجتمعي الواسع، يثار التساؤل حول ما إذا كان لا يزال مجرد إجراء تدبيري، أم أنه يعكس اختيارا عموميا يفترض تأطيرا تشريعيا أوسع. أما المثال الأكثر دلالة، فيتعلق بالتقطيع الانتخابي، الذي يتم عبر مرسوم، رغم أنه يمس في عمقه مسألة تمثيل الأمة وتوازن المناطق والنفوذ الانتخابية والأصوات والمساواة بين الناخبين. فالتقطيع ليس مجرد توزيع جغرافي، بل هو جزء من هندسة الشرعية الديمقراطية، وكل مساس بمعاييره الأساسية خارج الإطار التشريعي يثير إشكالا دستوريا بالغ الحساسية. ولا يقف الأمر عند هذه الحالات، بل يمتد إلى ظاهرة أوسع تتمثل في الإحالة المكثفة من القانون إلى التنظيم، حيث يكتفي النص التشريعي أحيانا بوضع إطار عام، تاركا التفاصيل الأساسية لمرسوم. وهنا لا نكون أمام تكامل بين القانون والتنظيم، بل أمام خطر تفريغ القانون من مضمونه، وتحويله إلى مجرد غطاء شكلي لقرارات تنظيمية ذات أثر جوهري.
إن ما يجمع هذه الأمثلة ليس اختلاف مجالاتها، بل كونها تكشف عن نزعة يمكن وصفها ب"التوسع التنظيمي الهادئ"، حيث لا يتم خرق النص الدستوري بشكل صريح، بل يعاد تأويله أو الالتفاف عليه عبر نقل جوهر الاختيارات من المجال التشريعي إلى المجال التنظيمي. وهذا التحول، وإن بدا محدودا في كل حالة على حدة، فإنه قد يؤدي في مجموعه إلى إضعاف دور البرلمان، وتقليص مجال النقاش العمومي، وإعادة تشكيل التوازن الدستوري لصالح السلطة التنفيذية. ولا شك أن تعقيد الدولة الحديثة يفرض منح الحكومة هامشا من المرونة والنجاعة في التدبير، لكن هذه الضرورة لا يمكن أن تتحول إلى مبرر لتوسيع المجال التنظيمي على حساب المجالات التي أرادها الدستور أن تبقى تحت سلطة القانون. فالدستور لم يمنح البرلمان اختصاص التشريع في القضايا الجوهرية عبثا، بل لأنه اعتبر أن هذه القضايا يجب أن تمر عبر التمثيل الديمقراطي والنقاش العمومي والرقابة السياسية.
امام كل هذا يبرز الدور الحاسم للمحكمة الدستورية في ضبط هذا التوازن، من خلال مراقبة احترام الحدود بين المجالين التشريعي والتنظيمي، والتأكد من أن التنظيم لا يتحول إلى أداة لإنتاج قواعد تمس جوهر الحقوق والحريات أو تعيد تشكيل الاختيارات الأساسية للمجتمع خارج الإطار التشريعي. إن الدولة الدستورية لا تقوم فقط على احترام النصوص، بل على احترام الفلسفة التي تحكمها. وهذه الفلسفة واضحة فكل ما من شأنه أن يمس جوهر الحقوق أو يحدد الخيارات الأساسية أو يؤثر في معنى الشرعية، يجب أن يبقى في يد القانون، لا في يد التنظيم.
حين يتكلم الدستور في هذه النازلة، فإنه لا يدافع عن توزيع شكلي للاختصاص، بل عن توازن دقيق بين الشرعية والنجاعة، بين الإرادة العامة والتدبير التنفيذي. فليس الخطر في أن تمارس الحكومة سلطتها التنظيمية، ولكن في أن تتحول هذه السلطة، تدريجيا، إلى مجال يعيد إنتاج الاختيارات التي كان ينبغي أن تبقى في يد القانون. وعندها لا نكون أمام مجرد اختلال تقني، بل أمام تحول يمس جوهر الدولة الدستورية نفسها، حيث يتراجع القانون عن موقعه الطبيعي كمعبر عن الإرادة العامة، ويتقدم التنظيم ليحتل مساحة لم ترسم له. وفي هذا التوازن الدقيق، يبقى الرهان الحقيقي هو أن يظل القانون سيد الاختيارات الكبرى، وأن يبقى التنظيم في خدمة تطبيقها، لا بديلا عنها.






