في ما يستلزمه بناء سلسلة القيمة الصناعية ببلادنا، على ضوء عرض واشنطن وعِبرة الكبريت
في الوقت الذي يُعيد فيه العالم رسم خرائط نفوذه الصناعي، انطلاقاً من قدرات تكرير، يجد المغرب نفسه أمام مفارقة قاسية: فهو يتطلّع إلى مرتبة الدول الصاعدة صناعياً، بينما حلقتُه الأضعف - وهي حلقة التكرير - قد تفكّكت منذ توقّف مصفاة «لاسامير»، وها هو يؤدّي اليوم ثمن غيابها من خلال فاتورة حمض الكبريتيك التي تثقل كاهل المكتب الشريف للفوسفاط. السؤال إذن ليس سؤال طموح، بل سؤال موقع: أين يضع المغرب نفسه في النظام الصناعي الجديد الذي تتشكّل ملامحه تحت أعيننا؟
أوّلاً: واشنطن تُعيد تعريف السيادة من بوّابة المصافي
لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تتعامل مع قدرات التكرير ومعالجة المعادن باعتبارها ملفّاً قطاعياً يُدرَج في جدول أعمال وزارة من الوزارات، بل ارتقت بها إلى مرتبة قضايا الأمن القومي. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الأمر التنفيذي الذي وقّعه الرئيس الأمريكي في الخامس عشر من يناير 2026، والمتعلّق بـ«تعديل الواردات من المعادن الحرجة المعالَجة ومشتقّاتها»، والذي يستند إلى المادة 232 من القانون التجاري. وقد جاء فيه ما يكاد يكون اعترافاً صريحاً: «استخراج المعدن داخلياً لا يحمي الأمن القومي ما دامت البلاد رهينة خصم أجنبي في معالجته».
وقد ترجمت واشنطن هذا التوجّه إلى أدوات سياسية واقتصادية شديدة الوضوح: فمن جهة أطلقت ما يُعرف بـ«مشروع الخزانة» (Project Vault)، وهو مخزون استراتيجي يشمل ستّين معدناً حرجاً، يقوم على قرض من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي بقيمة عشرة مليارات دولار - وهو الأكبر في تاريخ المؤسّسة منذ تأسيسها قبل اثنين وتسعين عاماً. ومن جهة أخرى أصبحت الدولة الأمريكية نفسها مساهمةً في رساميل شركات التكرير الكبرى، من «ترايلوجي ميتالز» و«إم بي ماتيريالز» و«أتالكو» و«ليثيوم أمريكاز»، فضلاً عن «كوريا زنك» الكورية، وحتى خارج حدودها بدخولها رأس مال مصفاة المعادن النادرة لدى «معادن» في المملكة العربية السعودية.
ولعلّ أبرز ما يُختزَل فيه هذا التحوّل، صفقةُ مصنع «كوريا زنك» في ولاية تينيسي الأمريكية. فهذه الشركة الكورية، التي تُعدّ من كبريات شركات تكرير المعادن غير الحديدية خارج المنظومة الصينية، تُنتج في مرافقها الكورية حوالى مليون ومائتي ألف طن سنوياً من اثنين وعشرين معدناً، وتستعدّ لتشغيل مصفاة في تينيسي بكلفة تبلغ سبعة مليارات وأربعمائة مليون دولار — أي ثلاثة أضعاف كلفة المنشأة المماثلة في كوريا. وقد تكفّلت الحكومة الأمريكية والمستثمرون الاستراتيجيون بقرابة تسعين في المائة من تمويل المشروع، فيما باتت كلٌّ من وزارة الحرب ووزارة التجارة الأمريكيتين مساهمتَين مباشرتَين في رأس مال الشركة الكورية. أمّا الكهرباء، فقد قُدّمت بأربعة سنتات للكيلوواط/ساعة، ، ضمن مزيج طاقي يتّجه إلى ثمانين في المائة من المتجدّد.
هذه ليست مُساوماتٍ تجارية اعتيادية، بل هي ما يصحّ أن يُسمّى بـ«العرض السيادي»: تمويلٌ عمومي ميسَّر، ومساهمات في الرأسمال، وضمانات في الطاقة وفي تصريف الإنتاج، وإطارٌ تنظيمي مختصَر. وهو العرض الذي تحدّد به الدول الكبرى اليوم وجهة رؤوس الأموال الصناعية، ومعها وجهة سلاسل القيمة العالمية لعقدٍ آتٍ على الأقلّ.
ثانياً: درس «لاسامير» — حين يغيب البنيان تظهر كلفته الحقيقية
في خضمّ هذا التحوّل العالمي، تكتسب تجربةُ مصفاة «لاسامير» معنىً جديداً. فقد ظلّت هذه المصفاة، فضلاً عن وظيفتها الأصلية في تكرير المحروقات، مصدراً وطنياً حيوياً لمادّة الكبريت التي يقوم عليها إنتاج الأسمدة لدى المكتب الشريف للفوسفاط. ولمّا توقّفت، وانقطع ما كانت تُوفّره من هذه المادّة الحيوية، لجأ المكتب إلى السوق الدولية. وقد كشفت الأزمة الراهنة عن المدى الذي بلغه هذا الانكشاف، إذ تجاوز سعر حمض الكبريتيك في الأسواق العالمية ألف دولار للطن الواحد، مع ما يُرتّبه ذلك من ضغطٍ شديد على هوامش الربح، ومن تهديد لتلك الميزة التنافسية التي طالما كانت من أعزّ ما يُميّز منتوجنا الوطني.
ولنا في هذا تذكير بما قرّره ابن خلدون في «المقدّمة»: أنّ قوّة الدولة، في نهاية المطاف، رهينةٌ بمتانة قاعدتها الإنتاجية، وأنّ التفريط في حلقة من حلقات هذه القاعدة، ولو بدت في ظاهرها هامشية، يُورِث الأمّةَ تبعيةً يصعب الانعتاق منها حين تشتدّ المحن. فالكلفة الحقيقية لا تُحسب بما يُنفَق على البناء، وإنّما بما يُتكبَّد حين يغيب البنيان.
ثالثاً: في العرض الموازي الذي يلزم المغرب أن يصوغه
لقد لخّصت مراكز التفكير الكبرى، ومنها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن (CSIS) في تحليلاته الأخيرة، فلسفةَ المرحلة في عبارةٍ موجزة: «المنجم بدون مصفاة، والمصفاة بدون مصنع، والمصنع بدون زبون، أصولٌ معطّلة جميعاً». وهي عبارةٌ تُلخّص ما ينبغي أن يكون رؤيتَنا للتنمية الصناعية: لا تكتفي بحلقة واحدة، بل تربط بين حلقات السلسلة من المنبع إلى المصبّ، وتجعل من قدرات التكرير شرطاً تأسيسياً، لا اختياراً ثانوياً.
ومن هذا المنظور، فإنّ المغرب مدعوٌّ إلى أن يصوغ عرضاً سيادياً موازياً - لا مُقلِّداً للعرض الأمريكي دولاراً بدولار، فذلك ما لا يقدر عليه أحد، بل مكافئاً له في منطقه. ويقوم هذا العرض على جملة من الأركان: تعريفةٌ كهربائية تفضيلية بمستوى التعريفة الصناعية الكبرى، مرتبطة بصفقات طويلة الأمد مع منتجي الطاقات المتجدّدة الذين أصبحت بلادنا في طليعتهم بإفريقيا؛ وحوافز ضريبية ممتدّة لعقود، تُمنح وفق دفتر تحمّلات يربط الميزة بالأثر الاقتصادي والتشغيلي؛ وآليات تمويل عمومية ميسَّرة، يمكن أن تذهب إلى حدّ المساهمة المباشرة في رأسمال المشاريع الاستراتيجية، أسوةً بما فعلته واشنطن مع «كوريا زنك»؛ وضمانات في تصريف الإنتاج وفي تأمين المواد الأوّلية؛ ومناطق صناعية جاهزة على واجهتَي المتوسط والأطلسي؛ وإطارٌ إداري وتنظيمي يختصر الزمن ويُذلّل العقبات.
وثمّة نافذةٌ استراتيجية لا ينبغي إغفالها: فقد صرّح مسؤولو «كوريا زنك» أنّهم بحثوا طويلاً عن شريك أعلى السلسلة يكون موثوقاً، فلم يجدوه «دون أن يمرّ التمويل بالصين»، فاضطُرّوا إلى التوسّع داخل المنظومة الكورية-اليابانية وحدها. وهذا فراغٌ استراتيجي تستطيع الجغرافيات المنتجة في إفريقيا - والمغرب من بين أبرزها بحكم منتجاته الفوسفاطية ومشتقّاتها وبحكم موقعه على القارّة- أن تَشغله، شريطةَ أن يكون العرض الأعلى في السلسلة مرتكزاً على قدرات تكرير حقيقية في الأسفل.
في الختام: قرارٌ سياسي قبل أن يكون تقنياً
ليس ما تقدّم نقداً للطريق الذي قُطع، ولا تهويناً ممّا تحقّق من إنجازات. وإنّما هو دعوة إلى استكمال البناء من حيث وقف. وتقوم هذه الدعوة على ثلاثة شروط، لا يستقيم الأمر بدونها: أوّلها أن يُعاد الاعتبار لقدرات التكرير باعتبارها رأسَ سلسلة القيمة وأساسَ السيادة الصناعية، لا فرعاً من فروعها؛ وثانيها أن تصوغ الدولة عرضاً سيادياً متكاملاً يُجاري ما تضعه القوى الصناعية الكبرى على الطاولة، بتعبئة أدوات الجباية والطاقة والتمويل والمساهمة معاً؛ وثالثها أن يُتّخذ هذا القرار في أعلى مستويات الإرادة السياسية، فيُحرَّر من المنطق الإداري ومن تشتّت الاختصاصات، ليكون قضية وطنية من الدرجة الأولى.
فإذا تأخّرنا، فإنّ سلاسل القيمة الجديدة ستنغلق علينا دون أن نكون من بين من يصنعون شروطها؛ وإذا بادرنا، فإنّ ما يفصلنا عن لحظة التحوّل ضيّقٌ بقدر اتّساع النافذة التي فتحتها لحظةُ إعادة ترتيب العالم الصناعي. والقرار، في الحالتين، سياسيٌّ قبل أن يكون تقنياً.






