قضايا

ما هكذا يا "أوريد" تورد الإبل !

نبيل عادل (أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية)
في سياق الجدل القديم / الجديد / المتجدد حد الملل حول لغة التدريس ومستقبل المدرسة المغربية، أعاد المفكر حسن أوريد أطروحة مفادها أن العربية تعاني قصوراً في المجال العلمي، وأن تجربة التعريب لم تُحقق أهدافها، داعياً في المقابل إلى تجاوز الوسيط الفرنسي نحو الإنجليزية، مع التحذير من تكرار “أخطاء التعريب” في أي خيار لغوي مستقبلي.

طرحٌ يقدَّم بلبوس عقلاني، لكنه يستدعي نقاشاً أكثر دقة، لا سيما حين يتحول من قراءة نقدية إلى خلاصات عامة تمسّ جوهر المسألة اللغوية والمعرفية في المغرب. ومن هنا تأتي الحاجة إلى تفكيك هذه السردية والوقوف عند حدودها التحليلية.

الحقيقة المزعجة والتفكير السطحي

في المغرب، لا يكاد يمر نقاش حول التعليم دون أن يُستدعى “الثالوث المقدّس” الذي أصبح بمثابة مسلّمة غير قابلة للنقاش: فشل التعريب، عجز العربية عن احتضان العلم، والحل في اللغات المستوردة. سردية تُعاد إنتاجها بإيقاع مريح، حتى كادت تتحول من رأي إلى حقيقة، ومن فرضية إلى عقيدة. غير أن الإشكال ليس في قوة هذه السردية، بل في هشاشتها التحليلية حين توضع تحت مجهر التفكيك.

أول ما يلفت الانتباه هو هذا الاستعمال الفضفاض لعبارة “فشل التعريب”. فمتى تحوّل توصيف بهذا الحجم إلى حكم نهائي دون تعريف دقيق أو قياس علمي؟ ما المقصود بالفشل تحديداً؟ هل نتحدث عن ضعف جودة التعليم؟ أم عن محدودية الإدماج في سوق الشغل؟ أم عن ضعف البحث العلمي؟ ثم كيف يمكن عزو هذه الاختلالات إلى عامل لغوي واحد في منظومة تعاني من أعطاب بنيوية أعمق بكثير؟ بل كيف يُحكم على تجربة لم تُستكمل أصلاً، حيث ظلّ التعليم الأساسي والثانوي معرّباً، بينما ننتقل في التعليم العالي بشكل فجائي وعنيف إلى الفرنسية؟ ما عُرف في المغرب ليس “تعريباً” بالمعنى المؤسسي المتكامل، بل ازدواجاً لغوياً مرتبكاً، يجعل التلميذ يتعلم بلغة ويُطالَب بالإنتاج والتواصل بلغة أخرى. الحكم على هذه الحالة بـ”الفشل” ليس تحليلاً، بل اختزال مريح.

فمن المفارقات التي لا تخلو من سخرية جارحة أن يُقال لنا، بكل ثقة، إن “التعريب ادى إلى انخفاض في المستوى”، في الوقت الذي ترتفع فيه معدلات الباكالوريا سنة بعد أخرى، وتزداد صعوبة الامتحانات بشكل ملفت، وتُضخّ ميزانيات غير مسبوقة من أسر أكثر تعليماً ووعياً من الأجيال السابقة لدعم تعليم أبنائها. أي منطق هذا الذي يجعل كل المؤشرات الموضوعية تسير في اتجاه، ثم يُصرّ الخطاب السائد على استنتاج نقيضه؟ كأننا أمام حكم جاهز يبحث عن أدلة، لا أدلة تُنتج حكماً.

الحقيقة التي يُراد دفنها تحت هذا الضجيج هي بسيطة ومؤلمة: لولا التعريب، لما كان هناك تعميم. ولو استمرت الفرنسة، لبقي التعليم نادياً مغلقاً للنخبة، تُدخله قلة ميسورة وتُقصى منه الأغلبية. ما يُقدَّم اليوم كـ”انهيار في المستوى” هو في جزء كبير منه أثر ديمقراطية التعليم: حين يخرج التعليم من دائرة الامتياز إلى فضاء الحق، لا يعود منطقياً أن يُقاس بنفس معايير الانتقاء القديمة. لكن بدلاً من الاعتراف بأن المشكلة في جودة التوسّع لا في لغته، يُختار الحل الأسهل: إدانة التعريب، وكأن اللغة هي التي تبني الأقسام، وتراقب المناهج وتدير المنظومة.

إنه منتهى الكسل الفكري: أن تُحمَّل اللغة مسؤولية ما صنعته السياسات، وأن يُختزل تعقيد المنظومة في شماعة لغوية جاهزة. أما الحقيقة، فهي أكثر إيلاماً: لم ينخفض المستوى لأننا عرّبنا، بل لأننا عمّمنا دون أن نُحسِن، ووسّعنا دون أن نُتقن، ثم بحثنا عن كبش فداء اسمه العربية. هذا إن كان هناك أصلا تراجع في المستوى.

ثم تأتي القفزة الثانية في هذه السردية: القول بأن العربية “ليست لغة علم”. وهنا يتكرّس خلط مفاهيمي لا يقل خطورة بين لغة التدريس ولغة البحث العلمي. فالتعليم في جوهره عملية نقل وفهم، واللغة فيه أداة بيداغوجية قبل أن تكون خياراً جيوسياسياً. يمكن تدريس الفيزياء النظرية أو الرياضيات المتقدمة أو الهندسة باللغة العربية إلى مستويات عليا، فالمصطلح موجود ولكن المنهج غائب والحكامة تئن. أما البحث العلمي اليوم، فهو يتم أساساً باللغة الإنجليزية، حتى في دول لا تُدرّس بها العلوم. لم تتقدم ألمانيا أو اليابان أو كوريا لأنها تخلّت عن لغاتها، بل لأنها فصلت بوضوح بين لغة التعلّم ولغة التداول العلمي الدولي. المشكلة إذن ليست في العربية، بل في غياب هذا الفصل الوظيفي في السياسات العمومية.

والمفارقة الأكثر إثارة أن هذه السردية تُستعمل في الوقت الذي تُظهر فيه الوقائع تراجعاً ملموساً للنموذج الذي الذي فرض فرضاً على المغاربة كبديل: التعليم الفرنسي. فبين ارتفاع الرسوم بشكل متواصل، وتآكل القيمة المضافة، وتراجع مؤشرات الجودة، بدأت تتكشف حقيقة مُحرجة: اللغة المستوردة لا تضمن تفوقاً تلقائياً. كثير من الأسر تدفع كلفة مرتفعة بحثاً عن امتياز رمزي أكثر منه معرفي، لتكتشف لاحقاً أن الشهادات لا تُترجم بالضرورة إلى تفوق مهني، وأن “التميّز” الموعود لم يعد مضموناً كما كان يُسوَّق. هنا، يسقط أحد أعمدة السردية: إذا كانت اللغة الأجنبية هي الحل، فلماذا لم تحل المشكلة حيث تُستعمل؟

في العمق، ما تكشفه هذه التحولات ليس أزمة لغة، بل أزمة تصور. لقد جرى اختزال سؤال التعليم في سؤال لغوي، وكأن تغيير الوعاء كفيل بتغيير المضمون. والحال أن المعضلة الحقيقية تكمن في ضعف الإنتاج المعرفي، وهشاشة التكوين، وغياب رؤية متكاملة لبناء رأس مال بشري عالي الإنتاجية. اللغة، في هذا السياق، تتحول إلى شماعة تُعلّق عليها الأعطاب البنيوية.

إن ربط التقدم بلغة أجنبية بعينها لا يختلف كثيراً عن ربط الجودة بسلعة مستوردة: وهمٌ بأن القيمة تأتي من الخارج. بينما تُظهر تجارب الأمم أن السيادة المعرفية — وهي جوهر كل نهضة — تبدأ من القدرة على التفكير والتعلّم والإنتاج بلغة مفهومة ومُتملَّكة، مع الانفتاح في الآن نفسه على اللغات العالمية لأغراض البحث والتواصل. ليست المشكلة أن نتعلم الإنجليزية أو الفرنسية، بل أن نحتاجهما لنفهم ما كان يمكن أن نفهمه بلغتنا.

ومن قمم العبث التي لا تحتاج إلى تحليل معقّد، أن تجد مُلقّناً مغربياً يُدرّس في المغرب، ومتلقياً مغربياً يجلس أمامه في نفس القسم في المغرب، ثم يحتاجان معاً إلى لغةٍ وسيطة كي “يتفاهمَا”. أي منطق هذا الذي يجعل المعرفة تمرّ عبر ترجمةٍ داخلية قبل أن تصل إلى عقل المتعلم؟ ألسنا هنا أمام مشهد كاريكاتوري: أستاذ يفكّر بالعربية، ويُجبَر على الشرح بالفرنسية، وتلميذ يتلقّى بالفرنسية ثم يعود ليترجمها إلى العربية حتى يفهم… تلك ليست حصة دراسية، بل مسرحية عبثية مكتملة الأركان. ثلاث عمليات ذهنية بدل واحدة، وثلاثة مستويات من التشويش قبل أن تصل الفكرة إلى عقل المتعلم. ثم نتساءل ببراءة مصطنعة: لماذا لا يفهم؟ الحقيقة أبسط وأقسى: لأننا لا نتلقى المعرفة، بل نُتلفها في الطريق.

ثم نندهش بعد ذلك من ضعف الاستيعاب! إنها ليست بيداغوجيا، بل تمرين يومي على الاغتراب. كأننا نصرّ على تعقيد البديهي: أن يفهم الإنسان بلغته، ثم ننصدم حين لا يفهم بلغة غيره. وفي النهاية، لا نُنتج علماً ولا نُتقن لغة، بل ننتج مسلسلا طويلا من التيه التربوي.

وهنا يعود الدور إلى المثقف، لا بوصفه ناقلاً للفرضيات الجاهزة، بل كفاعل في تفكيكها وبناء بدائلها. فالمثقف الذي يختزل النقاش في لغة التدريس دون مساءلة بنية النظام المعرفي، يشبه مسيّراً منشغلاً بالدخول الجامعي المقبل أكثر من انشغاله بمصير الأجيال. أما المثقف الذي يدرك أن الأمم لا تدخل التاريخ إلا عبر استقلالها في إنتاج المعرفة، فإنه يضع اللغة في موقعها الطبيعي: أداة سيادة، لا موضوع تبعية.

الخلاصة أن السردية السائدة — فشل التعريب، عجز العربية، الحل في اللغات المستوردة — ليست إلا تبسيطاً مريحاً لواقع معقد. وما يحتاجه المغرب ليس استبدال لغة بأخرى، بل بناء نموذج تعليمي ينتج المعرفة، يرفع الإنتاجية، ويحرر التعلم من الازدواجية. حينها فقط، سيتحول النقاش من “بأي لغة ندرّس؟” إلى السؤال الأجدر: ماذا نُنتج، ولأي مشروع حضاري

العربية ليست لغة علوم…

يُقال لنا، بوقارٍ أكاديمي مصطنع، إن العربية ليست لغة علوم. جملة قصيرة، مريحة، وتصلح للاستهلاك السريع. لكن ما إن نسأل عن معناها حتى يبدأ الارتباك: هل اللغة تُنتج العلم أم تُنقل به المعرفة؟ وهل فقدت العربية قدرتها فجأة على استيعاب المفاهيم، أم فقدنا نحن القدرة على إنتاجها؟

المغالطة هنا مزدوجة. أولاً، يتم الخلط بين لغة التدريس ولغة النشر العلمي. اليوم، تُنشر الأبحاث بالإنجليزية، لا لأن الإنجليزية أذكى لغوياً، بل لأن مراكز البحث الكبرى تتحدث بها. العلماء اليابانيون والألمان والصينيون لا يتعلمون الفيزياء بلغة أجنبية ليصبحوا علماء، بل يتعلمون بلغاتهم، ثم ينشرون أعمالهم بالإنجليزية. الفرق بسيط: هم يفهمون بلغتهم… وينافسون عالمياً بلغة مشتركة. نحن، فنريد أن نفهم بلغة غيرنا، ثم نتساءل لماذا لا ننتج.

ثانياً، يتم افتراض أن اللغة التي لا تُنتج العلم لا تصلح لتدريسه. منطق غريب، يجعل البلغارية والتركية والفارسية لغات “غير علمية” أيضاً، لأنها لا تهيمن على النشر العالمي. ومع ذلك، تُدرَّس بها أدق العلوم دون عقدة وجودية.

الحقيقة الأكثر إزعاجاً هي أن العربية ليست عاجزة، بل مُهمَلة. كل العلوم، بما فيها الفيزياء النظرية والرياضيات المجردة، تمت ترجمتها إليها، والمعجم العلمي موجود، بل ويزداد دقة مع الزمن. المشكلة ليست في اللغة، بل في الإرادة. نحن لا نريد أن نُنتج بها، ثم نلومها لأنها لا تُنتج.

ثم تأتي المفارقة الساخرة: يُهاجم البعض العربية باسم “العلم”، ويدافع في الوقت نفسه عن الفرنسية، التي لم تعد حتى لغة النشر العلمي المهيمنة. أي أننا لا نرفض العربية لأنها “ضعيفة”، بل لأننا اعتدنا على وسيط لغوي يُريحنا من عناء الاستقلال. باختصار: ليست المشكلة أن العربية ليست لغة علوم، بل أننا لا نريد أن نكون أهل علوم بها.

التعريب سبب فشل التعليم

أما الأسطورة الثانية، فهي أكثر طرافة: التعريب سبب فشل التعليم. جملة تُقال بثقة، دون أن يكلّف صاحبها نفسه عناء تعريف “الفشل”. فهل المقصود ضعف مستوى التلاميذ؟ أم عجز المدرسة عن الإدماج؟ أم انهيار البحث العلمي؟ أم كل ذلك مجتمعاً؟ وأين هي المؤشرات؟ وأين المقارنات؟ الصمت هنا أبلغ من الخطاب.

والأطرف أن هذا “الفشل” يُنسب إلى التعريب، وكأن المغرب كان — قبل التعريب — قوة علمية عظمى، تُنتج نوبليين بالجملة، ثم جاء التعريب ليُسقطها من عليائها. الواقع أقل درامية: أغلب مخططات “إنقاذ التعليم” وُضعت في زمن الفرنسة، والتدهور بدأ مبكراً، منذ الاستقلال، حين تم تعميم التعليم دون تكوين كافٍ للأطر، فكان المعلم أحياناً ابن الشهادة الابتدائية، يحمل الطباشير أكثر مما يحمل التكوين.

التعريب في المغرب لم يفشل لأنه سيئ، بل لأنه لم يُنجز أصلاً. نموذج هجين: ابتدائي وثانوي بالعربية، وجامعي وسوق عمل بالفرنسية. تلميذ يتعلم بلغة، ويُمتحن بأخرى، ثم يُطلب منه أن يُبدع بلغة ثالثة. ثم نقول: فشل التعريب! بل الذي فشل هو هذا العبث اللغوي المنظم.

ثم، حتى لو سلّمنا جدلاً بأن العربية تعاني، فهل الحل هو الهروب؟ أم البناء؟ هل تُبنى الأمم باستيراد لغات جاهزة، أم بصناعة أدواتها المعرفية؟ اليابان لم تنتظر لغة “أفضل”، وألمانيا لم تستبدل لغتها لتُنتج الفيزياء، وكوريا لم تترجم هويتها لتدخل التاريخ.

المشكلة الحقيقية ليست في العربية ولا في التعريب، بل في إدمان التبرير: نبحث عن شماعة لغوية لنُعلّق عليها فشلاً نعرف جيداً أسبابه. ومادام النقاش يدور حول “بأي لغة نُدرّس؟”، فلن نصل أبداً إلى السؤال الأصعب: ماذا نُدرّس، وكيف نُدرّس، ولماذا نفشل.

في النهاية، ليست اللغة هي التي تُسقط التعليم، بل التعليم هو الذي يُسقط اللغة حين يعجز عن حملها إلى مستوى المعرفة.

حين ينحدر المثقف من مقام البناء الحضاري إلى وظيفة التسيير اليومي، تتحول القضايا المصيرية إلى تفاصيل تقنية، وتبدأ الأمم في التفكك وهي تظن أنها تُصلح. ما نحتاجه ليس مُدبّري أعطاب، بل مُشخّصي اختلالات؛ ليس من يُرمّم الشقوق، بل من يكشف أساس التصدّع. ففي زمن تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على إنتاج المعرفة وصياغة معاييرها، ما زلنا نراوح عند سؤال بدائي: بأي لغة نُدرّس ونفكّر ونُنتج؟

أيُّ مفارقة هذه؟ نؤجل الحسم في أبسط مقومات السيادة المعرفية، ثم نحلم بموقع في خريطة العالم. نُهدر الزمن في جدلٍ لغويٍّ عقيم، بينما تُصاغ العلوم وتُرسم التوازنات بعيداً عنا. لسنا أمام أزمة لغة، بل أمام عجزٍ عن اتخاذ قرار حضاري، عجزٍ يُلبس نفسه لباس النقاش الرصين وهو في جوهره ارتباك مثير للشفقة.

يا أمةً ضحكت من عبثها الأمم.