فن وإعلام

النور اللامع وإشكالية الجامعة الإسلامية: إسهام مغربي في سياق القرن التاسع عشر

كفى بريس (متابعة)

إن لإعادة نشر كتاب النور اللامع في بيان الأصل الجامع بتحقيق الباحث خالد طحطح، له قيمته العلمية، فهي من جهة تبرز أهمية النص في سياق القرن التاسع عشر، وتتدارك ما شاب طبعته السابقة الصادرة سنة 2016 من اختلالات علمية ومنهجية أضعفت من جدواها، وأثرت في سلامة النص كما وصل إلى القارئ. فالطبعة المذكورة، وإن أسهمت في لفت الانتباه إلى هذا الأثر النادر، لم تستوفِ في عدد من المواضع الشروط الأساسية التي يقتضيها تحقيق النصوص التراثية، سواء من حيث الاستقصاء الببليوغرافي، أو من جهة الضبط والمقابلة، أو من حيث توثيق المصادر وإثبات الفروق.ومن أول ما يؤخذ على تلك الطبعة أنها قدمت النص كما لو كان مكتشفاً لأول مرة، مع أن المعطيات الببليوغرافية المتاحة تفيد بأن الكتاب كان قد صدر مطبوعاً قبل ذلك بسنوات طويلة، وتحديداً سنة 1983م في مصر. وكان مقتضى المنهج العلمي أن تُذكر هذه السابقة، وأن تُفحص الإفادة الممكنة منها في مقابلة النص وتدارك ما قد يكون وقع في نسخه الخطية أو المطبوعة من اختلاف. غير أن إغفال هذه الطبعة السابقة أضعف التقديم العلمي للكتاب، وأوقع التحقيق اللاحق في دعوى لا يثبتها تاريخ تداول النص.ولا تقف مواطن القصور عند هذا الحد، بل تمتد إلى صلب النص المحقق نفسه. فقد ظهر في طبعة 2016 عدد من التصحيفات والتحريفات والسقطات التي لا يمكن عدّها مجرد هفوات معزولة، لأنها مست مواضع مؤثرة في العبارة والمعنى، وأدت في بعض الأحيان إلى إرباك التراكيب وإضعاف انسجام النص. كما سقطت منها كلمات وعبارات، بل وفقرات في بعض المواضع، من غير تنبيه منهجي يوضح ما وقع أو يبين وجه إثباته أو حذفه، وهو ما يُفقد القارئ الثقة في سلامة المتن المنشور.ومن أخطر المآخذ على هذه الطبعة وقوعها في أخطاء تتصل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهي مواضع يقتضي التحقيق فيها أعلى درجات التثبت والدقة. ذلك أن أي خلل في نقل النصوص الشرعية لا يظل مجرد خطإ شكلي، بل قد يفضي إلى تشويه المعنى أو الإخلال بسياق الاستدلال الذي بنى عليه المؤلف تصوره. ومتى وقع مثل هذا الخلل في عمل يُقدَّم على أنه تحقيق علمي، فإنه يصبح مؤشراً واضحاً على ضعف المراجعة وقصور المقابلة.ومن أوجه الضعف كذلك أن تلك النشرة لم توفّق في تتبع المصادر التي أفاد منها إبراهيم بن إدريس السنوسي. فقد قُدمت بعض الأحكام المتعلقة بمراجع المؤلف على سبيل الظن أو التعميم، من غير توثيق دقيق ينهض عليها. والحال أن التحقيق العلمي لا يقتصر على نسخ الكلمات وضبط العبارات، بل يقتضي أيضاً ردّ النص إلى موارده، والكشف عن بنيته المرجعية، وبيان ما نقله المؤلف أو تصرف فيه. وهذا الجانب أساسي لفهم الكتاب في سياقه الفكري، ولتحديد موقعه ضمن أدبيات الإصلاح والوحدة في القرن التاسع عشر.كما تكشف هذه الطبعة عن خلل في المنهج العام لإخراج النص؛ إذ لم يظهر فيها ما يكفي من العناية بإبراز الفروق، أو تفسير ما يلتبس من العبارات، أو بيان أسباب الترجيح في المواضع المشكلة. وبدل أن تقرّب النص إلى صورته الأقرب إلى ما أراده مؤلفه، ساهمت في زيادة المسافة بين الأصل وما انتهى إلى القارئ مطبوعاً. ومن ثم فإن الاعتماد عليها وحدها في قراءة النور اللامع يظل أمراً محفوفاً بالتحفظ.إن الإشارة إلى هذه الثغرات لا يقصد بها الانتقاص من مبدأ نشر النص أو التقليل من أهمية الالتفات إليه، وإنما المقصود هو التأكيد أن النصوص التراثية، ولا سيما تلك التي تكتسب قيمة فكرية وتاريخية خاصة، لا يكفي في خدمتها مجرد إخراجها إلى الطبع، بل لا بد من استيفاء أدوات التحقيق العلمي التي تحفظ لها سلامتها، وتقرّبها من صورتها الأصلية، وتضعها في متناول الباحث والقارئ على أساس من الدقة والموثوقية.ومن هنا تبرز مشروعية العودة إلى النور اللامع من جديد، لا بوصفه نصاً يستحق النشر فحسب، بل بوصفه نصاً يحتاج أيضاً إلى تصحيح وإعادة تقديمه في صيغة أوثق، تقوم على مراجعة المخطوط، ومقابلة ألفاظه، واستدراك ما وقع في الطبعة السابقة من تحريف أو سقط أو قصور في التوثيق. وبهذا وحده يمكن أن يستعاد الكتاب بما يليق بقيمته، وأن يُقرأ قراءة علمية منصفة، في سياقه المغربي والإسلامي الأوسع.يُعدّ كتاب النور اللامع في بيان الأصل الجامع لإبراهيم بن إدريس السنوسي من النصوص المغربية النادرة التي تستحق عناية خاصة، لا لكونه أثراً مخطوطاً محفوظاً فحسب، بل لأنه يمثل وثيقة فكرية وتاريخية دالّة على انشغال مغربي مبكر بقضايا الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في لحظة دقيقة من القرن التاسع عشر. فقد فرغ مؤلفه من تأليفه سنة 1295هـ/1878م، وهي مرحلة بدأت فيها أفكار الإصلاح والتماسك السياسي والديني تفرض نفسها بإلحاح في أرجاء واسعة من العالم الإسلامي، خاصة مع تصاعد الوعي بأسباب الضعف ومخاطر التفرق.وتنبع أهمية هذا الكتاب أولاً من موضوعه؛ فهو لا يندرج ضمن الرسائل الوعظية أو المختصرات الدينية التقليدية، بل ينهض على رؤية تتجاوز الجزئي إلى الكلي، إذ ينشغل بما يسميه صاحبه “الأصل الجامع”، أي ذلك الأساس الذي تنتظم حوله الأمة وتلتئم به كلمتها. ومن هنا فإن النص لا يعالج مسألة مذهبية ضيقة، بل يلامس سؤالاً كبيراً يتصل بمصير المسلمين، وبالشروط التي تجعل الاجتماع ممكناً، والوحدة سبيلًا إلى حفظ الكيان العام ودفع أسباب الانقسام والتراجع.وقد أثبت المؤلف عنوان كتابه في مقدمته بقوله: “وسميتها النور اللامع في بيان الأصل الجامع”، وهو عنوان يكشف منذ البدء عن مقصد الرسالة ووجهتها الفكرية.


فالسنوسي لا يكتب من أفق تعليمي محض، بل من وعي إصلاحي يربط بين صلاح الأمة ووجود أصل ناظم يردّ الفروع إلى مرجع جامع، ويجعل من الاجتماع قيمة شرعية وسياسية وحضارية في آن.وتزداد قيمة النص حين يُقرأ في سياقه التاريخي. فقد كُتب في زمن كانت فيه الدولة العثمانية لا تزال تمثل رمزاً جامعاً للمسلمين، وكانت فيه أفكار النهوض والوحدة والتكتل الإسلامي تتشكل بدرجات متفاوتة في المشرق والمغرب. ومن هذه الزاوية، يبدو النور اللامع نصاً مبكراً يتيح إعادة النظر في بعض التصورات الجاهزة عن تاريخ الفكر الإصلاحي المغربي، إذ يكشف أن التفاعل مع قضايا الأمة الكبرى لم يكن وقفاً على المراكز المشرقية وحدها، بل كان له صداه أيضاً في المجال المغربي.أما مؤلفه، إبراهيم بن إدريس السنوسي، فينتمي إلى أسرة علمية معروفة في فاس، وقد تشكل وعيه في بيئة علمية ثم اتصل بالمشرق، وأقام بتونس ومصر، وانفتح على دوائر العلماء والأدباء والفاعلين السياسيين. وهذا المعطى مهم في قراءة الكتاب، لأن النص لا يصدر عن مؤلف معزول عن عصره، بل عن شخصية عاينت تحولات كبرى، واكتسبت أفقاً يتجاوز الإطار المحلي الضيق، وهو ما يفسر حضور فكرة الجامعة الإسلامية في رسالته بوصفها أفقاً للإصلاح ولمّ الشمل.وقد وجّه السنوسي كتابه إلى السلطان الحسن الأول، وبناه على مقدمة وبابين وخاتمة، في ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح. يبدأ بتأصيل الفكرة وبيان مشروعية الاجتماع، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة الشرعية الداعية إلى الاتحاد، قبل أن ينبه إلى ما يترتب على التفرق من مفاسد دينية وسياسية واجتماعية. وهذا البناء يدل على أن الرسالة لم تكن خواطر متناثرة، بل نصاً مقصوداً في هندسته، يسعى إلى الإقناع والتأثير معاً.


في المقدمة يبرز معنى النصيحة العامة وفكرة الأصل الذي ينبغي أن تنتظم حوله الأمة. وفي الباب الأول يعرض الآيات والأحاديث الدالة على وجوب الاتحاد والاجتماع، ويبين ما في ذلك من منافع عامة. أما الباب الثاني فينحو منحى تحذيرياً، إذ يركز على خطورة قطع ما أُمر الله بوصله، وعلى ضرورة ردّ الفروع إلى أصولها، وهي إشارات تتجاوز بعدها الوعظي إلى أفق سياسي وحضاري واضح. ثم تنتهي الرسالة بخاتمة تجمع ثمرات الوحدة وتبرز أخطار التفرق.ومن أبرز ما يمنح النور اللامع قيمته الفكرية أنه يربط بين الإصلاح والوحدة ربطاً عضوياً. فالإصلاح عند السنوسي لا يظهر باعتباره مجرد تحسين إداري أو تهذيب أخلاقي منفصل، بل باعتباره مشروعاً لا يكتمل إلا بوجود أصل جامع تنتظم حوله الأمة. لذلك تبدو الوحدة في هذا النص ليست شعاراً خطابياً، بل شرطاً من شروط انتظام الشأن العام، وحفظ المصالح الكبرى، وتقوية الإرادة الجماعية للمسلمين.وتزداد أهمية هذا المخطوط من جهة تاريخه التداولي أيضاً؛ إذ ظل طويلاً خارج دائرة الضوء، ولم يحظ بالحضور الذي يليق بقيمته ضمن الدراسات التي تناولت الفكر الإصلاحي والجامعة الإسلامية في القرن التاسع عشر.


وهذا الغياب نفسه يمنحه اليوم أهمية إضافية، لأنه يتيح للقارئ والباحث معاً استعادة صوت مغربي مبكر كان يفكر في قضايا الأمة الكبرى من داخل مرجعيته الشرعية والتاريخية، وبأدوات عصره ومفاهيمه.كما أن قيمة الكتاب لا تقف عند مضمونه، بل تمتد إلى نسخته الخطية الوحيدة المعروفة، المحفوظة بالخزانة العامة بتطوان، والتي نُسخت سنة 1296هـ/1879م، أي بعد عام واحد فقط من تأليف النص. وهذه القرابة الزمنية من الأصل تجعلها ذات قيمة خاصة في تمثيل قصد المؤلف، وتمنح النص موثوقية أكبر من حيث استعادته وضبطه.إن النور اللامع في بيان الأصل الجامع ليس مجرد مخطوط تراثي يُستعاد من أجل الحفظ والتوثيق، بل هو نص فكري جدير بأن يُقرأ اليوم في ضوء الأسئلة التي يثيرها حول معنى الاجتماع، وحدود الإصلاح، وعلاقة الوحدة بالمصلحة العامة. وهو، من هذه الجهة، يُعدّ واحداً من النصوص الأساسية التي ينبغي أن تُدرج ضمن مصادر دراسة الفكر الإصلاحي المغربي في القرن التاسع عشر، وعلاقته بالأفق الأوسع الذي عُرف لاحقاً باسم الجامعة الإسلامية.