رأي

نعيمة بنعبد العالي: دهاء الوجود في عصر الآلة.. قراءة أنثروبولوجية لحكاية "سيدي علي"

في الليالي الطويلة للتراث الشفهي المغربي، حيث يجتمع السامعون حول راوي الحكايات، لا تُروى الأساطير للتسلية فحسب، بل تُنقل كـ "شفرات بقاء" مشفرة في الذاكرة الجماعية. ومن بين هذا الكنز المنسي، تبرز حكاية "بنت بائع الكامون"، أو كما تعرف في تحولاتها المتعددة بحكاية "سيدي علي والأبناء السبعة". غير أن القراءة المعاصرة لهذه الحكاية تتطلب تجاوز السرد الخطي للأحداث، والغوص في الطبقات الدلالية العميقة التي تخترق الزمن. إن "الحيلة" في هذا السياق، تتجاوز مفهوم المناورة أو الخداع التكتيكي الضيق؛ إنها شكل رفيع من أشكال "المقاومة الوجودية"، وفن إدارة الضعف في مواجهة الغلبة. إنها القدرة على الانحناء دون انكسار، واستخدام الرماد لصنع النار، وهي في جوهرها مرآة تعكس أزمتنا المعاصرة مع القوة، والهوية، والمعنى.

تطرح الحكاية إشكالية جوهرية تتقاطع مع مأزق الحداثة السائلة وعقلنتها الجافة: أيُّ نموذجٍ للإنسان قادر على الصمود حين تتعطل آلات القوة؟ هل هو نموذج "الامتلاك" واليقين الذي يجسده الأبناء السبعة، أم نموذج "الكينونة" المرن والمراوغ الذي تتقمصه الابنة السابعة؟ هذا السؤال ليس مجرد استفسار أخلاقي، بل هو سؤال مصيري في عالم يتجه نحو الاحتكار التقني والهيمنة الرقمية، حيث يُقاس الإنسان بالبيانات و"أرقام" الإنتاج، لا بعمق إنسانيته.

وهم الكمال وقابلية الكسر (نموذج الأبناء السبعة)

في بنية الحكاية الرمزية، يمثل الأبناء السبعة ما يسميه عالم الاجتماع ماكس فيبر بـ "العقلانية الأداتية". الرقم سبعة في المخيال الشعبي يوحي بالاكتمال والوفرة، وهنا تكمن السخرية الدرامية؛ فالوفرة الكمية لا تعني بالضرورة الكفاءة النوعية. هؤلاء الأبناء هم تجسيد للكفاءة التقنية، للنسب، وللقوة الظاهرة التي لا تشوبها شائبة. إنهم يشبهون إلى حد كبير النخبة التكنوقراطية والسياسية اليوم؛ نخبة مُشكّلة ضمن مصانع التعليم والنخبوية التي تنتج "موارد بشرية" عالية الكفاءة، قادرة على التدبير، والإنتاج، وتنفيذ البروتوكولات بدقة متناهية. غير أن الخطر الكامن في نموذج "الأبناء السبعة" لا يكمن في شرهم، بل في هشاشتهم الهيكلية. فهم يعتمدون كلياً على "الدرع" الخارجي؛ الدرع المادي، ودرع الاعتراف الاجتماعي، ودرع البروتوكول. بمجرد سحب هذه الضمانات، كما يحدث في اختبار السلطان في الحكاية، أو في أزمات الحياة الحقيقية (كالجوائح الاقتصادية، أو الحروب)، يتحول عجزهم إلى عدوانية عشوائية. إنهم يعيشون وفق منطق إريك فروم في "الامتلاك"؛ قيمتهم مرتبطة بما يملكون من قوة ومظهر ومكانة، وليس بما "يكونون" من جوهر. وهم يشبهون تلك الأبراج الزجاجية الشاهقة التي تبدو منيعة، لكنها أول ما ينهار عند أول هزة أرضية، لأنها تفتقر إلى "مؤسسة" مرنة تتكيف مع الاهتزاز.

الحيلة كـ "قناع ضروري" (تحول الابنة السابعة)

في مقابل هذا الجمود، يأتي تحول الابنة السابعة إلى "سيدي علي" كعملية تفكيك جذرية للثنائيات الجاهزة. لم يكن تنكرها مجرد حيلة نسوية لاستعادة الشرف العائلي المسلوب، بل كان تمرداً وجودياً على التصنيفات التي تفرضها البنية الأبوية والمجتمعية. حين قصت شعرها ولبست درع الفارس، لم ترفض الأنوثة لتتبنى الذكورة بيولوجياً، بل تجاوزت الجندر لتتبني "الإنسانية الكاملة" في أدوارها الصلبة. هنا تكمن العبقرية التحليلية للحكاية: البقاء لا يكون بالتشبث بالهوية الجامدة، بل بالمرونة السيالة. "سيدي علي" يمثل تلك الفئة التي وصفها الفيلسوف الكوري بيونغ تشول هان بـ "الناجين من مجتمع الإنجاز"؛ هم من لا يثقون في السراب، ومن يحتفظون دائمًا بخيار العودة إلى الأساسيات. لكن الأهم من ذلك، أن "سيدي علي" تفهم طبيعة "القناع". في فلسفة الحياة، القناع ليس كذباً، بل هو أداة حماية تسمح للضعيف بالدخول إلى عرين الأسد دون أن يُفترس. هي ترتدي الذكورة كـ "بذلة عمل" مؤقتة، لا كـ "جلد دائم"، وهذا الفارق الدقيق هو ما يميز الحكيمة عن المحتال.

سوق الامتحان وصراع القيم

تنتقل بنا الحكاية إلى فضاء "السوق"، وهو فضاء عمومي بامتياز، حيث تُعرض السلع وتُختبر القيم. في مشهد الامتحان الحاسم، وُضعت "سيدي علي" أمام خيارين رمزيين: الذهب والحرير من جهة، والسيف والحصان من جهة أخرى. الذهب والحرير يمثلان "موضة العصر"، وقيم الاستهلاك، والإغراءات التي تُوجه تقليدياً للأنثى في المخيال الشعبي (الزينة، الجمال السلبي). أما السيف والحصان فيمثلان أدوات الفعل، والسيادة، والقدرة على تغيير الواقع. اختيار "سيدي علي" للسيف لم يكن تأكيداً لذكورة مزيفة، بل كان تأكيداً لـ "الوكالة الإنسانية". إنها ترفض أن تُختزل في جسدها أو في زينة تستهلكها، وتختار أن تكون فاعلاً في التاريخ، ولو تطلب ذلك ارتداء قناع الرجل. هذا المقطع يوجه نقداً لاذعاً لنظامنا التعليمي والاجتماعي الذي لا يزال يوجه الفتيات (والفتيان أيضاً) نحو قيم الاستهلاك والمظهر، بدلاً من قيم الإنتاج والسيادة على المصير.

الغزل كـ "عودة طوعية" إلى الواقع (ذروة الحكمة)

غير أن الذروة الفلسفية للحكاية لا تكمن في الانتصار، ولا في إثبات الجدارة في ساحة القتال(كما يحدث في امتحان السلطان، في الحكاية) ، بل في "النهاية". فبعد أن تنجح الحيلة، وتُستنفد أدوار القوة، وتحقق الهدف المنشود، لا تصر "سيدي علي" على البقاء في برجها العاجي كفارسة أبدية. هنا تأتي لحظة الغزْل، وهي اللحظة التي أساء الكثير من القراء فهمها. عندما تُسأل عن الغزل، وتُواجه بسخرية المنافس ("أ سيدي علي ويغزل؟")، تكون إجابتها المفصّل في تاريخ الوعي البشري: "وإلى حفات ليه الحيلة أش يعمل؟". هذه الجملة ليست دفاعاً عن ضعف، ولا اعترافاً بهزيمة، بل هي بيان براغماتي عميق: الحيلة وسيلة وليست غاية، وقناع القوة يُخلع حين تنتهي الحاجة إليه. الغزْل هنا ليس عودة إلى "الدور التقليدي" قسراً، بل هو اختيار واعٍ للعودة إلى الواقع الملموس بعد انتهاء حالة الاستثناء. إنها تقول لنا إن الشجاعة الحقيقية لا تكمن فقط في ركوب الخيل وقتال الأعداء، بل تكمن أيضاً في القدرة على نزع الدرع الثقيل، والعودة إلى البساطة، إلى "الغزْل"، إلى الحياة اليومية العادية دون أن يجرح ذلك الكرامة. النخبة الحالية، الغارقة في وهم الاستدامة اللانهائية للمال والسلطة، نسيت كيف تغزل؛ نسيت كيف تعود إلى الصفر دون أن تنتحر معنوياً. هي تريد البقاء في حالة "سيدي علي" للأبد، حتى بعد أن تنتهي المعركة، مما يولد كوارث سياسية واقتصادية حين ترفض النخب التنحي أو تغيير أدواتها. أما البطلة فتعلم أن الهوية العميقة للإنسان يجب أن تكون منفصلة عن أدواره الاجتماعية المؤقتة.

نحو مدرسة "الحيلة" والوعي النقدي

إن الغليان الاجتماعي والقيمي الذي نعيشه اليوم، من أزمات تعليمية خانقة، إلى انهيار نماذج القيادة التقليدية، وصولاً إلى الإحباط العام لدى الشباب، هو في جوهره صراع بين نموذج "الأبناء السبعة" الذي استنفد صلاحية تاريخية، ونموذج "الحيلة" الذي ينتظر ولادته من جديد. نموذج الأبناء هو نموذج "المصنع": يدخله الإنسان خاماً ويخرج منتجاً جاهزاً، لكنه منتج قابل للكسر. الخلاص لن يأتي من رفض التكنولوجيا أو العودة الرومانسية إلى الماضي، بل من إعادة تزويد العقلانية بأخلاقية إنسانية. المدرسة المنشودة ليست تلك التي توزع الألواح الرقمية لتسريع الإنتاج، بل تلك التي تعلم "فقه الحيلة"؛ أي فن التمييز، ومعرفة متى نقاتل بالسيف، ومتى نعود للغزْل حين تنتهي المعركة. نحن بحاجة إلى تعليم يعلم الشباب أن "النجاح" ليس خطاً صاعداً بلا نهاية، بل هو دورة حياة تتطلب أحياناً الصعود بالسيف، وأحياناً أخرى الهبوط بالمغزل لصون الإنسانية.

سؤال الوجود الأخير

في النهاية، تبقى حكاية "سيدي علي" سؤالاً معلقاً في وجوهنا جميعاً، كمرآة لا تكف عن المواجهة. في عالم أصبح فيه "البروفايل" الرقمي أهم من الوجه الحقيقي، وفي نظام يجعل من "الوظيفة" هويةً كاملةً للإنسان، تسألنا الحكاية: إذا ما سقطت الأقنعة، وتوقفت المحركات، وانتهت الحاجة للأدوار الكبرى، هل سنبقى عالقين في وهم القوة كالـ" أبناء السبعة"، ننتظر انهيار العالم لأن آلاتنا تعطلت؟ أم سنملك حكمة العودة إلى الغزْل، لننسج من جديد كرامتنا بأيدينا في الواقع الملموس، مدركين أن الحيلة تمت، وأن الحياة الحقيقية تبدأ حين نضع السيوف جانباً ونعود لنغزل خيوط إنسانيتنا؟