رأي

الصديق معنينو: الأمبراطورية (الحلقة الأولى)

ها هي الحرب من جديد تندلع في الشرق الأوسط، وكأن القدر كتب على هذه المنطقة أن تعيش دوماً وسط الدماء والدموع. وها هي الطائرات الإسرائيلية والأمريكية تقصف جمهورية إيران وتغتال العديد من قادتها وزعمائها المدنيين والعسكريين. بل استطاعت، نظراً لقوة مخابراتها واتساع رقعة الخيانة داخل إيران، اغتيال المرشد الأعلى، الحاكم المطلق لإيران، المسؤول الأول عما يعانيه الإيرانيون والإيرانيات من قمع وتضييق للحريات وتأطير للمجتمع واستغلال للدين وتفشي للمحسوبية وحرمان المرأة من حقوقها.

القنبلة

أثار ما قامت به إيران من أحداث تطورت لتفرض مراقبة دقيقة واحتياطاً دولياً، كون هذا الاشتباه هو عزمها على الالتحاق بالدول الحائزة على السلاح النووي. فقد استطاعت بواسطة علمائها أن تمتلك السلاح الفتاك، وخلال عدة سنوات ومختبراتها أن تتقدم في إنتاج اليورانيوم المخصب. كون هذا السباق نحو السلاح النووي خلق تخوفات لدى الدول المجاورة ورفضاً مطلقاً لإسرائيل ومراقبة أمريكية عن قرب ومحاولات دولية للتأكد من أن التخصيب لن يصل إلى درجة متقدمة تسمح باستخدامه لإنتاج القنبلة النووية.

الجحيم

أمام هذا الوضع شعرت إيران بنوع من العداوة من طرف الجيران والقوى العظمى، بل أكثر من ذلك من الناحية العسكرية. كما شعر الإيرانيون بضغط العقوبات اليومية المفروضة على بلادهم، مما حول حياتهم إلى صيف وجحيم يومي اقتصادي. هذا الجحيم اليومي أفرز معارضة داخلية جنينية لكنها تتقوى كرد فعل على القمع البوليسي وتطاول قوات الحرس الثوري. ولمواجهة هذه الضغوطات عملت إيران على الالتفاف على الحصار والمراقبة والعقوبات، وذلك بخلق مناطق نفوذ ديني وسياسي واستخباراتي.

التوسع

تستغل إيران هذه المناطق في إطار استراتيجية توسعية تعتمد على عقيدة تصدير الثورة، لنوع من الاستيطان الإيديولوجي والديني والسياسي. تدعم إيران هذه القوى بالمال والسلاح والخبرة وتجعل منها «دروعاً» لها. وهكذا تتوسع دائرة المذهب الشيعي الذي توظفه إيران بشكل استعجالي، حالة في مساعدتها قوى موالية لطهران خلف واجهة تاريخية مبنية على المواجهة. كما تستغل القضية الفلسطينية للتسلل إلى العمق العاطفي للشعوب موسعة بذلك عدد الأنصار والمؤيدين.

النفوذ

هكذا تكون مناطق نفوذ إيرانية على حساب سيادة الدول وسلامتها وأمن مواطنيها. وتحت تلك القوى يتراجع النضال الشعبي الديمقراطي داخل عدد من الدول، بل تتكون دول داخل الدولة، بأحزابها وجيوشها وأسلحتها واستخباراتها ومواقفها السياسية. هذه الظاهرة تجلت في لبنان مع حزب الله، وفي غزة مع حماس، وفي اليمن مع الحوثيين، وفي سوريا مع نظام الأسد. أما في العراق، فنظراً لوجود أماكن شيعية مثل كربلاء وغيرها، فقد انضمت الطائفة الشيعية العراقية إلى الموالين لإيران رغم مواجهتها خوفاً على وحدة البلاد، سواء في عهد صدام حسين أو بعد الإطاحة بنظامه.

التسلل

إلى جانب ذلك تمكنت المخابرات الإيرانية من التسلل إلى العمق الفكري والعاطفي لشيعة المنطقة، فأثرت على فئات من مجتمعات العديد من الدول التي أصبحت تؤمن بأن الخلاص سيأتي على يد ملالي إيران وأن الثورة القادمة رهينة بالخضوع للتوجهات القادمة من طهران.

في المغرب حاولت إيران منذ السبعينيات من القرن الماضي التسلل إلى المجتمع عبر قنوات متعددة، سواء عبر سفارتها بالرباط أو من خلال نشاطات محدودة في بعض الأوساط. ونتيجة لهذا التدخل في شؤون المغرب تم قطع العلاقات الدبلوماسية.

الانفصال

وإضافة إلى ذلك، ومع تصاعد الأطروحة الانفصالية المدعومة من الجزائر، اهتمت إيران بقضية الصحراء. بل قام وزير خارجية إيران بزيارة لمخيمات تندوف ومقابلة الأسرى المغاربة الذين كانوا محتجزين هناك. ويحكي الطيار المغربي نجات في مذكراته أن حواراً ساخناً جرى بينه وبين وزير خارجية إيران الذي حاول قمعه وإهانته.

الحرب

اندلعت الحرب من جديد، ولا يمكن لأي إنسان أن يفرح أو يرتاح لأي حرب كيفما كانت وأينما جرت أطوارها. الحرب هي لعنة الله على عباده، والحرب هي الوجه البشع والجاهل للإنسان، والحرب هي آخر الحلول للمشاكل المعقدة. ولا أظن أن هذه الحرب ستحل مشاكل المنطقة، ولا أتوقع سقوط النظام الإيراني في الأجل القريب، بل قد يزداد عنفاً إذا شعر بالضيق الكبير والضغط المتزايد.

أما إسرائيل فهي الأخرى تعمل على إقامة «دروع» لها عبر العالم، وتستعين بلوبيات مؤثرة في القرار السياسي. أما المستفيد الثاني فهي أمريكا. فأمريكا أعلنت بوضوح، سواء مع الجمهوريين أو الديمقراطيين، أنها إمبراطورية لها طموحات لحكم العالم. وبتدخلها العسكري تؤكد تفوقها العسكري إلى جانب تفوقها الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي.

عصر أمريكا

هو إذن العصر الأمريكي في أزهى مراحله، يفرض منطقه وأهدافه. فأمريكا عاشت خلال القرن الماضي على وقع حرب بعد حرب، وتدخل عسكري بعد آخر. والحروب تجري دائماً على أراضي الغير وبعيداً عن أراضي الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك تبدو الحرب عند الأمريكيين وسيلة للتوسع ومزيد من الهيمنة.

لكن التاريخ علمنا أن الإمبراطوريات لها فترات قوة وهيمنة، ومن ذروة تلك القوة يبدأ تراجعها وسقوطها.