كمغربي متتبع لبعض القضايا الرائجة أمام المحاكم المغربية، لا يسعني إلا ان ألاحظ أن هناك محامين، أحيانا بدافع الدفاع عن موكلهم، وأحيانا بدافع الرغبة في الظهور الإعلامي، يخرجون بشكل متكرر إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليعلقوا على قضايا لم يحسم فيها بعد، وفي كل مرة يلاحظ المرء أن هذه التصريحات، مهما كانت نواياها طيبة، تمثل عبئا على سمعة المحامي نفسه وعلى هيبة المهنة بشكل عام، لأنها تحول القضية من نزاع قانونى إلى ما يشبه عرضا إعلاميا قد يشتت الانتباه عن الحقائق الجوهرية.
أحد المحامين الفرنسيين العظام، روبرت كارفاجي، قال يوما: «La vérité judiciaire se défend mieux dans les prétoires que dans les médias.» بمعنى أن الحقيقة القضائية تجد دفاعها الأقوى داخل المحكمة وليس أمام عدسات الكاميرات أو على صفحات الإنترنت، وهي نصيحة تحافظ على وقار المهنة وتحمي المحامي من الوقوع في فخ الانطباع بأنه يبحث عن الشهره أكثر من الدفاع القانوني.
ومن واقع التجربة، أستطيع القول ان الحكمة الشعبية المغربية لا تخطئ حين تقول: “اللي كثر الكلام خسر الحق”، لأن المبالغة في الحديث حول قضية جارية أمام القصاء غالبا ما تضعف الموقف القانوني للموكل، وتحول النقاش من قانوني إلى شعبي وإعلامي، وهذا بالضبط ما يجب على كل محام أن يتجنبه ليحافظ على مصداقيته.
ميثاق المحاماة المغربي يفرض على المحامي التزام السرية المهنية واحترام سير العدالة، وهو ما يعني عمليا أن الإفصاح عن التفاصيل أو التعليق العلني على القضية قبل صدور الحكم يمكن أن يعد تجاوزا للحدود الأخلاقية للمهنة، وقد يفسر كضغط على القضاء أو محاولة للتأثير على الرأي العام. ومن هنا تأتي الحكمة العملية لكل محام، الصمت أحيانا يكون أبلغ من الكلام.
يمكن تلخيص الدرس الفرنسي-المغربي في عبارتين:
• «Un avocat sage parle peu dans les médias, mais agit beaucoup dans les tribunaux, car la force de sa défense réside dans la rigueur de sa pratique.»
• «La réputation professionnelle ne se bâtit pas dans le bruit médiatique, mais dans le respect strict des règles déontologiques et la maîtrise du dossier au tribunal.»
في النهاية، الدرس الذي يجب أن يستفيده كل محام في المغرب ليس مجرد قاعدة نظرية، بل تجربة عملية: أن الاحترافية الحقيقية تظهر عندما يعرف المحامي متى يتكلم ومتى يصمت، متى يترك القضاء يقوم بدوره ومتى يحرص على حماية مصالح موكله داخل أروقه المحكمة، وليس على منصات التواصل، لأن قوة المهنة تكمن في الرصانة والتمر س والاحترام، وليس في صخب الإعلام أو كثرة التعليقات.






