رياضة

حديث الأربعاء: كرة القدم… حين يصبح الوداع بطعم الإدارة

عبد الرفيع حمضي

"في كرة القدم، كما في غيرها من المجالات الاخرى، لا يهم فقط كيف نصنع اللحظة، بل أيضاً كيف نودعها"

أثار الحفل الذي نظمته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لتكريم الناخب الوطني السابق وتنصيب خلفه نقاشا واسعا في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. ولقد قيل في الموضوع الكثير، مع تعدد القراءات والتعليقات من طرف المحللين والمتابعين للشأن الكروي.

غير أن العودة إلى هذا الحدث اليوم ليست لا من باب تكرار ما قيل، ولا من باب الخوض في التفاصيل التقنية . وانما بعد أن هدأت ردود الفعل الأولى، قد يكون من الأفيد التوقف عند هذه اللحظة والنظر إليها من زاوية أخرى، تتعلق اساسا بثقافة المؤسسات وطريقة تدبير لحظات التكريم والانتقال.

من حيث المبدأ، يبقى قرار تكريم وليد الركراكي خطوة إيجابية تحسب للجامعة. فالرجل لا يمكن اختزال مساره في نتيجة مباراة أو إخفاق عابر. لانه بكل بساطة قاد هذا الرجل المنتخب المغربي إلى إنجاز تاريخي في كأس العالم بقطر حين بلغ أسود الأطلس نصف النهائي، وهو إنجاز غير مسبوق عربيا وإفريقيا. لكن الأهم من النتيجة الرياضية هو الأثر المعنوي الذي خلفه ذلك الإنجاز في المجتمع المغربي. حيث أعاد إلى ملايين المغاربة شعورا جماعيا بالفخر والانتماء، وفتح أفقا جديدا لكرة القدم الوطنية.

غير أن الإشكال لم يكن في فكرة التكريم، بل في الطريقة التي تم بها. فقد جرى الجمع بين حفل التكريم وتنصيب مدرب جديد في المناسبة نفسها، وفي أجواء بدت أقرب إلى الطابع الإداري البارد منها إلى روح كرة اللعبة الشعبية الدافئة . هذا النوع من الصيغ و الإخراج قد يكون مألوفا في بعض الوزارات أو الإدارات العمومية، حيث يتم تسليم السلط في مراسم رسمية مقتضبة، لكن مجال كرة القدم ليست إدارة، بل عالم تحكمه العاطفة والرمزية والذاكرة الجماعية وجماهير رياضية واعلام مختص .

التكريم، بطبيعته، لحظة اعتراف وامتنان. أما التنصيب فهو إعلان بداية مرحلة جديدة. وعندما يجتمع الاثنان في اللحظة نفسها، يتحول التكريم من لحظة احتفاء إلى مجرد فقرة ضمن انتقال إداري. كان من الأجدر أن يتم الفصل بين الحدثين: حفل خاص يليق بالمدرب الذي صنع لحظة تاريخية في ذاكرة الكرة المغربية، ثم مناسبة أخرى لتقديم المدرب الجديد وإطلاق صفحة جديدة.

ولعل كرة القدم العالمية تقدم أمثلة بليغة في ثقافة الاعتراف بالإنجاز. فقد شاءت الظروف ان أكون في زياة للمملكة المتحدة حين غادر فالسير أليكس فيرغسون، فريق مانشستر يونايتد التي قضى فيها سنوات طوال على راس الإدارة التقنية، وتابعت إعلاميا كيف احتفى النادي والجماهير الرياضية بأحد أعظم المدربين في تاريخ اللعبة، فتحول الوداع إلى لحظة رمزية احتفى بتاريخ رجل صنع جزءا من ذاكرة الفريق ضمن اقوى الدوريات العالمية. ولم يكن غريبا أن تمنحه بريطانيا لقب “سير”، SIR وهو لقب لا يمنح إلا لمن ترك أثرا استثنائيا في مجاله.

هذه المسافة الرمزية بين الوداع والبداية ليست تفصيلا شكليا، بل جزء من ثقافة الاعتراف التي تحتاجها الرياضة.

أما ما قيل عن تصرف وليد الركراكي خلال الحفل، ومنها مغادرته القاعة دون مصافحة خلفه أو التقاط صورة معه، فهو تصرف قد يكون غير مناسب لروح الرياضة. غير أن تقييم هذه اللحظة لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة لشخص قدم الكثير لكرة القدم الوطنية.

في مثل هذه الحالات، ينتظر من المؤسسات أن ترتفع فوق اللحظة الانفعالية. فالأفراد، مهما كانت مكانتهم، يبقون أفرادا. أما المؤسسة فهي التي يفترض أن تجسد الاستمرارية والرصانة.

 الجامعة ليست شخصا ذاتيا، بل إطار مؤسساتي معنوي قوي من المفروض فيه أن يحافظ دائما على مستوى عال من المهنية، وأن يدير لحظات الانتقال بحكمة وهدوء.

فالركراكي قد يخطئ أو يصيب، وقد يعبر عن انفعال إنساني في لحظة وداع صعبة. لكن الجامعة، باعتبارها مؤسسة كبرى، مطالبة بأن تحيط مثل هذه اللحظات بما يكفي من العناية والحكمة والرمزية حتى لا تتحول لحظة الاعتراف إلى جدل.

في النهاية، قد تمر النتائج وتتغير الأسماء، لكن ما يبقى في ذاكرة الناس ليس فقط ما جرى داخل الملعب، بل أيضا الطريقة التي تُدار بها لحظات الاعتراف والوداع. فالتكريم ليس إجراء بروتوكوليا عابرا، بل ثقافة تعكس احترام الذاكرة. وفي كرة القدم، كما في الحياة العامة، لا يكفي أن نصنع اللحظة… بل ينبغي أيضا أن نعرف كيف نودعها .