استرجاع طنجة عام 1684:
كيف استعمل المولى إسماعيل ورقة "إيالة الجزائر" باسمها الإنجليزي القديم Argiers في المفاوضات مع إنجلترا؟
تؤرخ وثائق الأرشيف الوطني البريطاني (State Papers) والتقارير السرية للأميرالية لواحد من أبرز الانتصارات الدبلوماسية والعسكرية في عهد السلطان المولى إسماعيل بن الشريف العلوي (1672-1727)، ويتعلق الأمر باسترجاع مدينة طنجة من الاحتلال الإنجليزي في فبراير 1684 بعد حصار طويل ومفاوضات شاقة.
وقد كانت طنجة قد آلت للتاج البريطاني عام 1661 بموجب "عقد زواج" سياسي، حيث قُدمت المدينة "مهرا" من البرتغال للأميرة "كاترين دي براغانزا" عند زواجها من الملك الإنجليزي تشارلز الثاني.
وبموجب هذا الاتفاق، حصلت بريطانيا على طنجة ومدينة "بومباي" الهندية، مما جعل طنجة في نظر الإنجليز "جوهرة التاج" وبوابتهم الاستراتيجية للسيطرة على حوض البحر الأبيض المتوسط.
وتكشف سجلات مكتبة "هانتينغتون" المرموقة (The Huntington Library) بكاليفورنيا، من خلال الوثيقة النادرة رقم (432925)، عن "التمهيد الدبلوماسي" الذكي الذي خاضه المغرب لاستعادة المدينة، حيث تبرز المراسلات استخدام المصطلح الإنجليزي القديم "Argiers" (أو Argier) للدلالة على إيالة الجزائر، وهو رسم فيلولوجي كان شائعاً في القرن السابع عشر (بالراء بدل اللام) قبل أن يستقر على صيغة "Algiers" الحالية.
ويظهر هذا السياق دهاء السلطان المولى إسماعيل في استغلال الوضع الإقليمي، حيث كانت الجزائر آنذاك خاضعة لحكم "الدايات" الأتراك الذين استمدوا سلطتهم من الباب العالي العثماني، وكانت سفنهم تمثّل امتداداً لنشاط القراصنة الأتراك الذين سيطروا على مدينة الجزائر وأسسوا فيها إيالة تابعة للخلافة العثمانية وبدعم مباشر منها.
ومن خلال التلويح بقدرة الإمبراطورية المغربية على تحجيم التحرك البحري التركي في البحر الأبيض المتوسط وتأمين التجارة الإنجليزية، استطاع السلطان إغراء لندن بجدوى التحالف مع المغرب كقوة سيادية أصيلة وضامنة للاستقرار، مما عجل بقرار الجلاء البريطاني عن طنجة.
وتشير وثائق أرشيف (EEBO) بجامعة ميشيغان، والمطبوعة في لندن عام 1682، إلى تفاصيل سفارة محمد بن حدو العطار التي جاءت لتتويج هذا المسار الدبلوماسي.
وتبرز الوثيقة المعنونة بـ "رسالة من إمبراطور المغرب وملك فاس"، كيف أن الخطاب الرسمي المغربي فرض لقب "الإمبراطور" (Emperor) في المراسلات الدولية، وهو ما كرسته هذه الوثيقة التي وُزعت كمنشور عام في شوارع لندن لإطلاع الرأي العام البريطاني على فحوى المطالب المغربية، مما خلق ضغطاً شعبياً وبرلمانياً كبيراً.
وتتطابق هذه المعطيات مع تقارير "صمويل بيبس" SAMUEL PEPYS، سكرتير الأميرالية، الذي أكد في كواليس القرار البريطاني أن التكلفة المادية لاستمرار الدفاع عن طنجة في وجه الضغط المغربي أصبحت عبئاً لا يُطاق، مما اضطر البرلمان إلى اتخاذ القرار التاريخي بالجلاء وتفجير المنشآت الدفاعية قبل الرحيل.
وعقب اكتمال الانسحاب البريطاني في فبراير 1684، وثقت السجلات الدبلوماسية رسائل السلطان المولى إسماعيل الموجهة إلى لندن، والتي صِيغت بلغة سيادية عالية، حيث اعتبر السلطان أن الجلاء الإنجليزي هو "عودة للحق وتصحيح لمسار التاريخ"، معيداً التأكيد على أن المغرب لا يساوم في ترابه الوطني.
إن هذه الحقبة، التي انتهت برفع العلم المغربي فوق أسوار طنجة، تظل شاهدة على قدرة الدبلوماسية المغربية في القرن السابع عشر على إدارة صراعاتها الدولية بذكاء، وتثبت أن استرجاع الثغور كان ثمرة رؤية استراتيجية جمعت بين حنكة المبعوثين المغاربة في استغلال التوازنات الإقليمية، وبين صمود المقاتلين في الداخل تحت قيادة السلطان المولى إسماعيل.
وهذا ما كان
◾️المرجع الوثائقي والأكاديمي للحلقة 4:
️▪️المخطوطات والمراسلات:
🔹️مكتبة هانتينغتون (The Huntington Library): وثيقة رقم (432925)، مراسلات القرن السابع عشر حول نفوذ "Argiers" و"Sally".
🔹️أرشيف (Early English Books Online): وثيقة رقم (A47282)، جامعة ميشيغان، مطبعة لندن، 1682 (رسالة إمبراطور المغرب).
🔹️️الأرشيف الوطني البريطاني (TNA): سلسلة أوراق الدولة (State Papers, Barbary, SP 71/2).
▪️المصادر البصرية والأيقونوغرافية:
🔹️المجموعة الملكية البريطانية (Royal Collection Trust): رسم بانورامي لمدينة طنجة (Prospect of Tangier) بريشة الفنان وينسيسلاوس هولار (1669)، يوثق التحصينات قبل الجلاء.
🔹️أرشيف جريدة لندن (The London Gazette Archive): العدد الصادر في أبريل 1684، المتضمن للبيان الرسمي لانسحاب القوات البريطانية وتدمير المنشآت.
🔹️المجموعات الملكية (Royal Collection): لوحة السفير محمد بن حدو العطار بريشة غودفري كنيلر (1682).
▪️المذكرات والشهادات:
🔹️يوميات صمويل بيبس (The Diary of Samuel Pepys): تقارير سكرتير الأميرالية حول "مهمة طنجة" وتكلفتها المالية بين 1683-1684.








