فن وإعلام

تاريخ العلاقات الدبلوماسية المغربية من خلال أرشيف ووثائق المكتبات العالمية (الحلقة 2)

احمد الدافري (إعلامي)

العلاقات المغربية البريطانية والندية بين الإمبراطوريتين في ضوء وثائق ومخطوطات الأرشيف الوطني البريطاني

 

تشكل العلاقات المغربية البريطانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر نموذجاً فريداً للندية السياسية، وهي الحقيقة التي وثقها المؤرخ نبيل مطر في كتابه المرجعي الصادر عام 2005 : 

 بريطانيا والبربري، 1589-1689 (Britain and Barbary, 1589-1689). 

 

ويؤكد نبيل مطر، بالاعتماد على سجلات الأرشيف الوطني البريطاني (The National Archives, Kew)، أن العلاقة بين السلطان أحمد المنصور والملكة إليزابيث الأولى لم تكن قائمة فقط على التبادل التجاري، بل بلغت حد التخطيط لـتحالف عسكري سري، لمواجهة إمبراطورية إسبانيا، مما يعكس اعترافاً بريطانيا مبكراً بمركزية القرار السيادي المغربي.

 

ونلاحظ أن الوثائق البريطانية كانت تميز بدقة ديبلوماسية بين مصطلحي "المملكة" (Kingdom) و"الإمبراطورية" (Empire) عند مخاطبة المغرب، حيث كانت تطلق لقب امبراطور المغرب "Emperor of Morocco" على سلطان المغرب، اعترافاً بالامتداد الجغرافي الشاسع للدولة المغربية التي وصلت تخومها إلى بلاد السودان، وتمييزاً لحاكمها عن بقية حكام المنطقة الذين كانوا يوصفون بصفة الولاة التابعين.

 

وفي هذا السياق التوثيقي، تأتي الدراسة الأكاديمية الحديثة التي قدمتها الباحثة آن روزاليند فاغيتر (Ann Rosalind Faggetter) سنة 2022 في جامعة "كينت" (University of Kent) البريطانية، تحت عنوان:

 "جون هاريسون: وكيل  الملك في المغرب، 1610-1632"

(John Harrison: His Majesty's Agent in Morocco, 1610-1632)

 لتعمق هذا الطرح.

 

 وتوضح الدراسة كيف أن الوكيل الملكي جون هاريسون سعى في عهد الملك تشارلز الأول إلى استكمال هذا الإرث من الندية الإمبراطورية، متابعاً بدقة توازنات القوى داخل المغرب.

 وتتعزز هذه المكانة بوجود وثائق نادرة في الأرشيف البريطاني، ومنها المخطوط المرجعي (SP 71/12/f. 21)، الذي يمثل خريطة سياسية ورسماً شجرياً دقيقاً صاغه الدبلوماسيون الإنجليز لفهم بنية الحكم السيادي للسلاطين المغاربة مثل مولاي زيدان ومولاي عبد الله (الصورة).

 

ويعد السلطان أحمد المنصور الذهبي (1578-1603) سادس سلاطين السعديين، وأحد أعظم حكام المغرب، حيث استطاع بعد انتصاره التاريخي في معركة وادي المخازن بناء إمبراطورية شاسعة وصلت تخومها إلى بلاد السودان، ولقب بـ "الذهبي" لوفرة الذهب الذي تدفق على خزائن الدولة في عهده، مما جعل المغرب قوة اقتصادية وعسكرية مهابة الجانب.

 

 وتؤكد اللوحة الزيتية الأصلية للسفير المغربى عبد الواحد بن مسعود سنة 1600, المحفوظة في معهد باربر للفنون (الصورة), هذه الهيبة السيادية، حيث تصفه باللاتينية بعبارة (LEGATVS REGIS BARBARIAE IN ANGLIAM) أي "سفير ملك المغرب إلى إنجلترا".

وهنا تجب الإشارة إلى دقة المصطلح اللاتيني (BARBARIAE) في العرف الدبلوماسي الأوروبي، إذ كان مرادفا قانونيا وحصريا للمملكة المغربية كدولة-أمة مستقلة ذات سيادة كاملة، تمييزا لها عن الإيالات التابعة للباب العالي العثماني. 

 

وتخلص هذه الأبحاث إلى أن العلاقات المغربية البريطانية كانت نتاج اعتراف متبادل بين دولتين سياديتين، مما مكن المغرب من فرض شروطه في المحافل الدولية. 

وهذا ما كان.

 

المرجع الوثائقي والأكاديمي لهذه الحلقة:

• • كتاب مرجعي (2005): نبيل مطر، Britain and Barbary, 1589-1689، مطبعة جامعة فلوريدا.

• دراسة دكتوراه (2022): للباحثة Ann Rosalind Faggetter، جامعة كينت البريطانية.

• الأرشيف الوطني البريطاني (The National Archives, Kew): مجموعة أوراق الدولة، وثيقة رقم (SP 71/12/f. 21